العربية

عربيّتي خرساءُ                    / أَلْمُوج بِيهَار

                                من العبرية: ريما أبو جابر

 

عَرَبيّتي خرساءُ

غاصَّة

تسُبُّ نفسها

دون أن تتفوّه بكلمة

تنامُ في هواء ملاجِئ نَفسِي الخانق

تختبِئُ

من أبناء العائلة

خلف ستار العبريّة.

وعبرِيَتي تهتاجُ

تتراكض بين الغرف وشرَف الجيران

تُسمعُ صوتها للجُموع

تتنبّأ بقدومِ اللهِ

وبلدوزراتٍ

وعندها تنزوي في الصالون

تفكّرُ في نفسها

ظاهرةً ظاهرة على حافّة جسدها

مغطّاةً مغطّاة بين اوراقِ لحمها

لحظة عارية ولحظة مكسوّة

تنكمشُ في الكنبة

تطلبُ معذرة قلبها.

عربيّتي خائِفةٌ

تتنكّر بصمتٍ للعبريّةِ

وتهمسُ للأَصدقاء

مع كلِّ طرقةٍ على أبوابها:

"أهلاً أهلاً".

وأمام كل شرطيٍّ يمرُّ في الطريق

تبرزُ هويّةً

تشير إلى البند المدافع:

" أنا من اليهود ، أنا من اليهود".

وعبرِيَتي صمّاء

أحيانًا صمّاء للغاية.

 

http://aboud78.blogspot.com/2006_06_01_archive.html

أنا من اليهود            / ألموج بيهار

من العبرية: محمد عبود
في تلك الفترة انقلب لساني، وبحلول شهر تموز التصق بسقف حلقي، ثم بدأ يتزحلق بعيدا على صفحة الحلق حتى وصل إلى النطق العربي. وبينما كنت أسير في الشارع، ارتد إلي النطق العربي الذي كان يتلفظ به جدي أنور، عليه السلام، وكم حاولت أن أنتزعه من داخلي، وألقي به في واحدة من سلال القمامة العامة لكن دون جدوى. حاولت مخلصا أن أنطق حرف العين، همزة خفيفة مثل أمي، التي فعلت ذلك، في صباها، تفاديا لغضب المدرسين ونظرات التلاميذ الساخرة، لكن الغرباء الذين يمرون في الطريق ثبتوني في مكاني، حاولت أن أخفف حرف الحاء، وأنطقه خاء، حاولت أن أتصنع مسافة بين السين والصاد. جربت الهروب من هذه القاف العراقية. لكن لم تنجح محاولاتي. وبدأ رجال شرطة يكسو الحزم ملامحهم يمرون أمامي في شوارع "أورشليم"، أشاروا إليَ، وإلى لحيتي السوداء بأصابع متوعدة، تهامسوا فيما بينهم داخل "سيارات الدورية"، وبدءوا في إلقاء القبض علي، وسؤالي عن اسمي، وهويتي. أما أنا فكنت أريد أن أستوقف كل شرطي يمر أمامي، وأُشهر في وجهه بطاقة الهوية، مشيرا إلى خانة "القومية"، وأقول لهم، وكأنني أبوح بسر سينقذني من ذنب عظيم: "أنا من اليهود، أنا من اليهود".

لكن بطاقة الهوية اختفت فجأة، اختفت في اللحظة التي كنت في أمس الحاجة إليها. وبدأ رجال الشرطة يعتقلونني صباحا ومساء، ولا يوجد في محفظتي شهادة واحدة ترضى الدفاع عني. في البيت، كنت أجد بطاقة الهوية مطوية بين وصلين، وأنظر إلى جيبي، لأكتشف أن رخصة القيادة تطل من المحفظة وكأنني كنت على وشك إخراجها لأمر ما، وفي الحقيبة التي أحملها على ظهري وجدت شهادة خدمة الاحتياط مختبئة بين كومة من الوثائق، وكأنني نسيتها هناك بلا قصد. لكن عندما تسمر رجال الشرطة أمامي، لم أعثر على شهادة أو ورقة واحدة تروي لهم عن ماضيي ومستقبلي. ساعتها، كنت أشرع في استخدام الهاتف، أقول للشرطي، اسمع، أمس فقط تبدلت لكنتي وصارت أشبه باللغة العربية، أصبح لساني ثقيلا، لكنها ليست لكنة فلسطينية، إنها عراقية، وعموما ربما كان جدك يتحدث بلكنة مشابهة للكنتي، اسمع، سأتصل، حالا، بأصدقائي، وستسمع بنفسك طريقة نطقهم الرائعة، أنهم يتحدثون العبرية كما يجب أن تكون، بدون أي لكنة، وإذا كانوا هؤلاء هم أصدقائي فلك أن تتخيل من أكون.

لكن أصدقائي الاشكنازيم لم يردوا علي أبدا، لم يستجيبوا لجرس تليفوني المتوسل، كانوا يعاودون الاتصال بي في المساء، أو صباح اليوم التالي، يسألونني ماذا كنت تريد، ويرفضون تمييز نبرة صوتي. وظللت أنا واقفا أمام رجال الشرطة بمفردي، فشرعت أتصل بأصدقائي التونسيين والحلبيين والطرابلسيين، وأردد في نفسي ربما لا ينطق هؤلاء العبرية الأنقى، ليست العبرية كما يجب أن تكون، لكنها على كل حال أفضل من العبرية التي أنطقها الآن. والحق، أنهم كانوا يردون فورا، لم يتلكئوا في الاستجابة لجرس تليفوني، لكن المفاجأة أن لهجتهم جاءت عربية ثقيلة جدا، كما أنهم سمعوا على الطرف الأخر صوتا متعثرا وكأنه نغمة شاذة عنيدة. كانوا يردون على تحيتي (بالعامية المتأثرة بالعربية):"أهلا بيك".."يا حبيبي"، ويسألونني "إيش لونك"، ويودعونني بـ"سلامتك". ماذا يفعل رجال الشرطة، بعد أن أضاعني أصدقائي؟ كيف يصدقون أنني ابن يعقوب، ولست من أبناء إسماعيل؟

شرعوا في تفتيشي ببطء، نبشوا ملابسي، عبروا على صفحة جسدي بكاشف المعادن، جردوني من ثيابي في صمت لا تخدشه كلمات أو إيحاءات. فتشوا أسفل طبقات جلدي عن حقدي الدفين، ركضوا بأقصى سرعة وراء الأحزمة الناسفة، الأحزمة الناسفة التي في قلبي، ويفرحون كلما حيَدوا رغبة مشبوهة بداخلي. اقترب رجال الشرطة مني أزواجا أزواجا، قال أحدهم لزميله بعدما طال وقت التفتيش، انظر أنه مختون، حقا يبدو يهوديا هذا العربي، رد عليه زميله: العرب أيضا يختنون ذكورهم، والأحزمة الناسفة ليست لها علاقة بالختان، ثم يواصلون التفتيش. والحقيقة أنني في تلك اللحظة التي أسلمت لهم فيها جسدي، بدأت تلتف حول قلبي أحزمة ناسفة تورمت وانتفخت ورفضت أن يبطل مفعولهاـ أخذت تزأر وتزأر. لكن لأنها لم تكن مصنوعة من الصلب، أو البارود، أفلحت في التملص من أجهزة كشف المعادن.

أخيرا، عندما كان رجال الشرطة يتركونني وشأني طليقا، لكن لست بريئا، كنت أواصل طريقي وأسير في شارع "ماركوس" المؤدي لتياترو "أورشليم" مرورا بمبنى القنصلية البلجيكية الفخم، والميدان الفسيح المطل على شارع جابوتونسكي. كنت ذاهبا لمشاهدة فيلما أمريكيا حاصلا على عدة جوائز أوسكار، لكن فجأة لم يكن هناك تياترو في نهاية الشارع، وفجأة لم يكن هذا شارع "ماركوس"، كان شارعا يحمل اسما عربيا، والبيوت عادت لتكون عربية، حتى القنصلية البلجيكية، والناس في الشوارع، والعائلات..العائلات نفسها أصبحت عربية، ليسوا مجرد شبان يعملون في "المعمار"، ليسوا مجرد جامعي قمامة، أو عمال يرممون واجهات المباني.

(2)

ذهبت لأتجول في شارع "كاتمون"، وشوارع تلابيا، والبقعة، وبدلا من أن أرى أثرياء "أورشليم" يجلسون في البيوت الرحبة، وبدلا من أقرأ أسماء الشوارع العبرية: "غزاة كاتمون"، و"الهابطون من السفينة"، رأيت هناك مجددا وجهاء فلسطين، كانوا هناك كما كانوا قبل حرب 48، كما لو أن هذه الحرب لم تحدث مطلقا. أراهم يسيرون في الميادين بين الأشجار المزهرة..يقطفون الثمار، وكأن الصحف لم تحذرهم من التسبب في ذبولها، لأن الأرض ستمتلئ باللاجئين. وبدا وكأن الزمن قد سار باتجاه تاريخ مغاير، مختلف، وتذكرت أنني سألت أمي لماذا نتحدث كثيرا عن التاريخ، كفانا تاريخا، يكفينا ما حدث لنا من التاريخ، هذا التاريخ يكبلني، يكبلك، لا يترك لي شيئا، ولا يترك لك شيئا.

حقا، لقد تجمدنا في تاريخنا، لكن ها هو التاريخ يسير للحظة في اتجاه مختلف. وأصبحت أنا أتجول في شوارع وجهاء فلسطين، وفكرت أنهم ربما يعاملونني باحترام، على عكس رجال الشرطة، وتمنيت أن أحكي لهم كم قرأت عن الأديب والمربي "خليل السكاكيني"، وكم وددت أن أصادق أحفاده، كنت أسير بينهم، أقترب من الأفنية لكن لم أستطع الذوبان فيهم، فبحوزتي فقط العبرية بلكنة عربية، أما لغتي العربية، التي لم أتعلمها في البيت، ولكن تعلمتها في الجيش، أصبحت فجأة خرساء، مخنوقة في حلقي، تلعن نفسها دون أن تصدر أنينا، تتشنج في الهواء المحتبس بين الأنفاس، تختبئ عن أنظار أفراد أسرتي خلف ستار اللغة العبرية. وكلما حاولت أن أتحدث إليهم ببعض الكلمات العربية القليلة، المتلعثمة التي تعلمتها، كانت تخرج من فمي عبرية بلكنة عربية، حتى ظنوا أنني أسخر منهم، ولولا أن لكنتي بدت عراقية جدا، لولا هذا فقط، لتأكدوا أنني استهزأ بهم.

لكن هذه اللكنة حيرتهم، ظنوا أنني أسخر من العراقيين، والصدام حسينيين، أو ربما أنا عراقي قديم، ضاعت لغته، وبقيت لكنته. لم أكون صداقات هناك، رغم رغبتي، وتذكرت أنني سمعت عماً لي يقول ذات مرة أن هؤلاء العرب المقيمين في أحياء القدس الموسرة "أفندية"، يرتدون بذلا غربية ويعتمرون الطربوش، وساعتها وقعت كلمة "أفندي" على أذني مشحونة بالسخرية والاحتقار، رغم أنني أستطيع أن أتذكر جيدا الآن، أنه لم يقصد ذلك، لكنني سمعت فيها نبرة احتقار، وكأنني أحد جنود "البالماح" ينتعل صندلا، ويرتدي بنطالا قصيرا، ويسخر من الإقطاعيين العرب، ويمتدح اشتراكيته المقدسة، التي يؤمن بها كل الصهاينة. قال لي عمي: هؤلاء أفندية، تعبيرا عن احترامه، لكن راحت مني لغتهم، وهم لا يعرفون لغتي، وفصلت بيننا أنظمة الحكم، والمسافات الزمنية للأجيال.

في طريق عودتي للبيت، لم يستقبل لكنتي جيدا سوى سائقي الحافلات، فهم يدركون صعوبة توقع لكنة كل راكب يصعد إلى الحافلة في القدس. ولم يدرِ قلبي أنني عدت إلى قلبي، لم يدر، ولم تدر مخاوفي أنها انقضت علي، لم تدر.

(3)

وهكذا صار صوتي كصوت جدي، وفجأة بدأت هذه الشوارع التي اعتادت موته، وغيابه، تسمع صوته من جديد. لقد خرج من داخلي هذا الصوت الجميل، الذي كان محبوسا في ماضيَ، خرج لا يطلب التكفير عن خطيئة، ولا يستجدي الفتات، إنه صوتي، صوت قوي ومرتفع. وشوارع "أورشليم" التي اعتادت صمته، وصمتنا، وجدت صعوبة بالغة أمام هذا الحديث، وراحت تكتم هذا الصوت، تسكته شيئا فشيئا، وتقول له احذر، وتقول لي احذر، تقول له أنت غريب عنا، وتقول لي يكفيك صمتك. وعلى الرغم من خوفي، وبالرغم من أن هذا الصوت كان غريبا علي أيضا، وداهمني بعد جيلين من الغفلة، إلا أنني رددت كل كلماتي بهذا الصوت، لأنني لم أتمكن من مواصلة الصمت، كان بداخلي كلام يريد أن يخرج، وكلماتي كانت تتغير لحظة خروجها من الحنجرة. والغرباء الذين لا يعرفونني ظنوا أنني حفيد مخلص، ولم يدركوا أن النسيان طغى على الذاكرة على مر السنين، لم يتصوروا إلى أي مدى انطمست ذاكرتي، وكم سنة مرت ولم تأتِ سيرة جدي على لساني.

عندما رجعت إلى البيت من جولتي الأولى في الشوارع بطريقة نطقي الجديدة، وبعد أن نبش رجال الشرطة في جسدي، اندهشت زوجتي من طريقة نطقي، وأثناء حديثها معي، ونصائحها بأن أكُف عن ذلك، بدأت تنتقل إليها مظاهر العدوى، وظهر على شفتيها خليط من نطق يمني ترجع أصوله لأبيها، ونطق اسطنبولي يرجع في أصوله لأمها. وبعد عدة أيام صارت تعود من عملها يوميا، لتروي لي عن المخاوف في أقسام الشركة من انتشار وباء معدي بين أفراد مكتبها، لقد بدأت طرق النطق القديمة تخرج للنور، بعد أن ظنوا كل الظن أنها اختفت. وخبر صغير في زاوية مهملة بإحدى الصحف الكبرى يكشف أن المسئولين الأمنيين يتحرون من الذي نقل عدوى طرق النطق المحظورة. وامتلأ المحيط بأصوات النواح على ضياع مجهود خمسين عام من التعليم الناجح، ونتيجة الخوف من امتلاء البلاد بالعرب، ستمتلئ البلاد بالكثير والكثير منهم، ولذلك قرروا أن يزودوا الإذاعة بقراء نشرة ينطقون لغة عبرية سليمة ومنمقة، حتى يضمنوا أن نشعر "نحن" بأننا غرباء بسبب طريقة نطقنا.
بعد قليل، أسرت لي زوجتي بصوت مرتجف، تارة تشعر أنه هابطا من الشمال من مضايق البوسفور، وتارة تشعر أنه صاعدا من الجنوب من خليج عدن، أن هذه العدوى أصابت الاشكنازيم أيضا. لكنها تنبأت أن إيقاع التغيير عندهم سيسير ببطء، لأن أولادهم المتغطرسين يظنون أن لكنات آبائهم وأجدادهم كانت في الأصل أمريكية، كما أن ذاكرتهم القريبة لا تصلهم بطرق النطق القديمة. لكن عما قريب سنسمع في الشوارع مجددا، اللكنة البولندية، والمجرية، والرومانية، والألمانية، والأوكرانية، وهذا سر رعب المسئولين عن الأمن، فهم خائفون فعلا، ساعتها، لن يجدوا قراء نشرة يرسلونهم إلى جنود الإذاعة، لن يجدوا معلمين يلقنون أبناءنا طريقة النطق السليم.

وعلى الرغم من تنبؤها بموجة عظيمة من التغييرات، فإن والديَ وقفا صامدين أمامي، وأمام موجات العدوى، مازالوا يتذكرون عدد السنين، وحجم المجهود الذي بذلوه في اكتساب طريقة نطق صافية، وبدءوا يدفعوني، بحزم، لأكف عن ذلك، ويذكرونني بمستقبلي الأكاديمي.

توسلوا إلي، لكن ماذا أفعل؟ كيف أستطيع أن أداري حنيني، وحنيني فجأة تجسد في هذا الصوت الغريب عني، وأنا أشعر بالضيق والأسى لأنه يصدر عني، لكني لا أستطيع أن أوقفه بقرار في لحظة واحدة.

إذا واصلت التحدث بهذه اللهجة، لن تحصل على المنحة الدراسية، قالها أبي، وكان صادقا. إذا لم تعد إلى لهجتنا السلسة فلتتحمل ما سيجري معك، قالتها أمي وكانت محقة، في كل محاضراتي كان الأساتذة مندهشين من طريقة نطقي، يحاولون أن يعثروا بداخلي على لكنة أخرى، تكون أكثر أكاديمية، وأكثر ملائمة للجو الجامعي، على الرغم من أن الكلمات كانت هي نفس الكلمات لكنها ثقيلة..غليظة. كيف ستواصل دراستك، إذا تحدثت بهذه الطريقة، قالوا لي، وترجوني، وألحوا علي، لكن ماذا يمكنني أن أفعل؟ هم يخافون فعلا على مستقبلي، لكنهم غير معنيين بسكينتي الداخلية المهدودة، ولا بجدران قلبي المنهارة، ولم يتمكنوا من مساعدتي، ولا رفعوا عني حكم القدر.

في تلك الأثناء تزايد قلقهم، لكني لم أصغ لحديثهم، أطبقت شفتي، وأصبحت أشعر أن لهجتهم غريبة عني، وصرت استمتع بمرور الأيام والشهور، وبنبوءات زوجتي تتحقق، وشوارع "أورشليم" تتغير أمام عيني، لكن أبي وأمي فقط تجمدا في مكانهما بلا أي تغيير. أطلعت زوجتي على "سري": "بدأت في كتابة قصتي لكن بالحروف العربية، سيشعر المسئولين بالصدمة مرة أخرى". عادت زوجتي بعد عدة أيام إلى البيت لتحكي لي أن رؤساءها ضحكوا من قلوبهم، وقالوا، فليكتب، ليكتب قصصا، هو وحده يستطيع قراءتها، لن يقرأها آباؤه، ولا أبناؤه، وكذلك أولادنا لن يتعرضوا للخطر. وسنمنحه، لو أراد، جميع الجوائز الحكومية في الأدب العربي، دون أن نقرأ كلمة مما كتبه.

صدق رؤساؤها بالطبع، وشرعت زوجتي تتنبأ بما سيحدث مستعينة بالأمثال التركية، تقول لي أمي كانت تردد هذا المثل، صحيح أنني لا أذكر كيف كانت تقوله بلغتها، لكنني أذكر طريقة نطقها. "إنها حلاوة روح"، همست بالمثل، ثم شرحته، إننا نعيش لحظات الاحتضار، لا لحظات البعث، وكبار المسئولين في الأجهزة الأمنية يعرفون ذلك، وقرروا أنه لا داع للقلق، سيكون شرط قبول الموظفين في المناصب هو إتقانهم للنطق العبري السليم، وعلى كل واحد أن يفكر مرتين حتى يوفر مصدر رزقه، ولقمة خبز يعيل بها أسرته، وبهذه الطريقة تعود اللغة العبرية المألوفة، وكأن شيئا لم يكن.

(4)

بدأت نبضات قلبي تنعكس على إيقاعات صوتي، تقول هذا صوتي، وهذا ليس صوتي، هذا حرف لام يخرج من فمي، وهذه "قاف" غريبة عني. وكنت أبطئ إيقاع أفكاري، لكي أفكر وأتأمل في أفكاري ذاتها، لكن لم يكن لدي وقت، فرحت أنثر الكلمات مع الرياح مثل ملح البحر الذي لا ينثره أحد، بالتأكيد، داخل البحر. وبدأ جدي يحادثني، ويسألني بصوتي هل هناك نهاية لهذه القصة؟ لماذا يختلط تاريخي بتاريخك، كيف تنتهك حياتك بهذه الطريقة، أنا "جيل الصحراء"، كيف تنهض وتعيدني للحياة، إنك الجيل الذي انتظرناه، انتظرنا ألا يفصل بين ماضيه وماضي آبائه، لأن ماضينا مؤلم جدا، لقد بقيت في الصحراء آكل الطيور الجوارح من أجلك أنت، حتى لا تذكرني، حتى لا تتألم مثلنا، كيف تعض بالنواجذ على كلماتي من جديد، وأين، في "أورشليم"، حيث لا توجد المقاهي، ولا نهر دجلة يشق المدينة إلى رحمين، أنا لم أمت في "أورشليم"، ولا في مسقط رأسي، لقد مت في الصحراء الفاصلة بينهما، صحراء الصمت.

يا حفيدي، أعد تقسيم قلبك، اجعله شُعبا شُعبا، وأنزلني في إحدى الشعب الخفية، وعش أنت في باقي الشعب. أو اعبر إلى شعبة الصمت، لأن التغيير الذي تظن أنه يحدث بسيط للغاية، ولو ظهرت لكنة مختلفة ماذا سيحدث، هل سأحيا من جديد، هل ستعيش أنت حياتي من جديد؟ كفاك ما حدث لك في الشوارع، اذهب إلى والديك، لن تقنعهم طريقة نطقي، أنهم يعرفونها جيدا، وسبق أن تمردوا عليها ألف مرة. ربما يزرع صمتك في قلوبهم خوف الحاضر من الماضي والمستقبل. لماذا لا تعرض عليهم قصتك، ربما يستفيقوا، قال لي جدي هذه الكلمات وهو تقريبا يستحلفني بكل الأموات.

بدأت أحصي أيام الصمت، يوما، أسبوعا، شهرا، حبست نفسي في البيت، لا أفتح فمي، لا أفتح نافذة، ولا يدخل الهواء غرفتي. واحتوى الصمت صوتي، كلمات كثيرة، أُسكتت. ولم أعد حاضرا، ولم أعد موجودا، ولم تعد هناك نهاية لقصتي، حتى بداية القصة نفسها تلاشت.

وبقيت صامتا فترات طويلة، حتى قال لي والديَ، تحدث، إذا لم تتحدث لن تحصل على منحة، كيف ستواصل تعليمك وماذا تفعل في مستقبلك، أين ابتسامتك، تحدث تحدث، بأية لكنة لأننا أصبحنا نخاف الصمت.

(5)

نهر دجلة لا يقسم مدينة القدس، وهدير مياهه لا يسكت الحدود المفروضة علينا، الحدود التي تفصل بيني وبين نفسي، لا أنا هنا ولا أنا هناك، لست شرقيا ولا غربيا، لست صوت الحاضر، ولا صوت الماضي، ماذا ستكون النهاية؟ أسير في الشوارع أبكما، شبه أصم، وهذه المرة ملامحي فقط هي التي تزعج رجال الشرطة، لحيتي الكثيفة فحسب، وإصراري ألا أخرج كلمة من فمي، ويمر شهر تموز مرة أخرى، ويحتضر بداخلي. على الرغم من الحر، أرتدي معطفا لأخفي الأحزمة الناسفة التي في قلبي. ونتيجة إخلاص رجال الشرطة لعملهم يقتادوني إلى المعتقل ويأتي والديَ في إثري، ليعرفا أين احتجز ابنهما؟.

ألتزم الصمت إزاء والدي، ماذا يستطيعا أن يفعلا معي؟ أنا صامت حتى في حضور والديَ، لكن بدأت أفسر لهم تفاصيل حكايتي التي أخفيتها، أشرت لهما، هنا كتبت عنك يا أمي، وكتبت هنا عنك يا أبي. هنا كتبت قصائد احتجاجية على اللغة العبرية، باللغة العبرية، أزيد من استخدام لغة الإشارة، لا يوجد لدي لغة أخرى استخدمها، من شدة الخزي لم تورثا لي شيئا. وهذا العصر يحرمني من إلقاء الشعر، فهم يحتشدون ضدي جماعات جماعات. يحتشدون ضدكم أيضا، واللغة التي فرضوا عليَ الحديث والتعبير بها، تحولتُ إلى ناي أجوف لا يتجاوب مع أنفاسها، كل ذلك لكي ننتج كلنا نغمة واحدة، صداها مبحوح، وننتحل لغة أخرى غير موجودة. والحقيقة أن القصة نفسها تكررت مرات ومرات. كم قصة في ذاكرتي، يا أمي كم قصة في ذاكرتي يا أبي، كم قصة في ذاكرة الإنسان، إنها نفس القصة يحاول كل مرة أن يرويها بكلمات مختلفة، كل مرة يحاول أن يفك شفرة القصة المستعصية على التفكيك، ألا تميزان قصتكما هنا؟! ومع كل ذلك لقد علمت الإجابة من صمتكما. الآن فقط حاولت أن أكتب القصة بالنطق العربي، لكن ما نتيجة ذلك، انظرا أين نقف. خذوا قصتي وأقرءوها، يا أمي، يا أبي، اقرءوا قصتي التي أخفيتها عنكما سنوات طويلة، فأنتما تعانيان نفس الشتات، نفس الصمت، نفس الشعور بالغربة بين القلب والجسد، بين التفكير والنطق، ربما تعرفان كيف يمكن حل هذه العقدة.

وفي أول كلام يصدر عن والديَ تنكرا إلي، قال أبي هذا ليس ابننا، وقالت أمي لم نربي هذه اللحية، وقالا في نفس واحد للمسئولين، كيف يكون ابننا، نحن لا ننطق بهذه الطريقة، لا يوجد من يرث منه هذا النطق، لا من أخوته، ولا من جده أنور الذي مات قبل ولادته، أنه ليس ولدنا. وألمحا لي في كلامهما، إذا لم تتحسن طريقة نطقك، سنعود إلى البيت محبطين للأبد، وإذا تحسن نطقك وتراجعت عن هذه القصص، وهذه اللكنة ، وهذا الصمت، وتحدثت بلغتنا، سنبقى هنا معك حتى يقضوا بخروجك حرا، أو يحكموا علينا جميعا. ولم يدرِ والدي أنني عدت إلى قلبهما، ولم يدروا أن كل مخاوفهم ارتدت إلي، لم يدروا.

ألموج بهر – أذار الثاني 2005

القدس- العمل الحاصل على جائزة أفضل قصة قصيرة في إسرائيل 2005

http://aboud78.blogspot.com/2006/07/blog-post.html

أنا من اليهود" شظايا القهر الثقافي/  محمد عبود

احترت كثيراً في نقل قصة "أنا من اليهود" إلي اللغة العربية. القصة بديعة، ومهمة، وفي ظننا أنها خطيرة أيضا، من حيث ما تقدمه من ممكنات لفهم الواقع الإسرائيلي المعاصر. ناهيك عن فوزها بجائزة "أحسن قصة قصيرة في "إسرائيل" لعام 2005"، تلك الجائزة التي تمنحها صحيفة هآارتس كبري دور النشر الإسرائيلية، والتي تحظي، وتحظي جوائزها باحترام النخبة المثقفة في "إسرائيل".

احترت رغم أن المؤلف اختار عنوانا باللغة العربية، لقصته العبرية، "أنا من اليهود"، ورغم أن القصاص الإسرائيلي "ألموج بهر" (35 سنة) حظي باعتراف جمعي في "إسرائيل"، وصار نجماً في سماء الثقافة هناك، ومن أبرز كتاب هآارتس نفسها تلك الصحيفة العصية علي الأقلام،إلا إذا كانت موهوبة بحق.

وزاد قلقي من أن نتناول معطيات القصة التي تناقش إشكالية هوية اليهود الذين "هاجروا" لإسرائيل قادمين من الدول العربية بمنطق معنا أم علينا؟ لما تنطوي عليه القصة من طاقات تأويل متعددة، وهو منطق تبسيطي كفيل بأن يحول هذا القاص العبري إلي شيطان رجيم، أو يحوله إلي صديق ونصير الثقافة العربية. لمجرد أنه أشار إلي قمع الدولة الإسرائيلية والموقفين يجانبهما الصواب حتما.

لكن بتشجيع من أصدقاء أعزاء، وثقة في أهمية القصة، ومقدار الوعي المتراكم عن الأدب العبري بجهود أساتذة أجلاء مثل د. رشاد الشامي أستاذ الأدب العبري بجامعة عين شمس، قررت أن أنقل هذه القصة المهمة والملهمة للقارئ العربي، مزودة بدراسة عنها، أرجو أن تكون بمثابة إضاءة للنص الذي ينطوي علي قدر من الخصوصيات الثقافية، التي تميز المجتمع الإسرائيلي. وهو مجتمع هجرة يحتضن جماعات سكانية من مشارب، وثقافات متعددة، أخضعوا منذ عام 48 لسياسة "بوتقة الصهر" التي سعت بكل قوة لدمجهم قسريا في نسيج ثقافي – اجتماعي واحد علي مدي أكثر من نصف قرن (كل ذلك لكي ننتج كلنا نغمة واحدة، صداها مبحوح، وننتحل لغة أخرى غير موجودة- أنا من اليهود). وتأتي هذه القصة التي حظيت باعتراف رسمي إسرائيلي لتفضح هذه السياسة، وتتمرد عليها، وتقدم بُعداً أدبياً لحركات احتجاج سياسي أسسها اليهود النازحون من الدول العربية مثل حركة الفهود السود في الـ80، ومظاهرات ضد التمييز الاجتماعي لصالح اليهود الأوربيين في "وادي صليب" التي رفعت شعار "إشك- نازي" في إتهام صريح للإشكناز بالنازية، والتعامل الفوقي مع اليهود الشرقيين مواطني الدرجة الثانية في إسرائيل. والآن إلى قصة "أنا من اليهود".

***

أن تقص، أو تحكي، يعني أن لديك "خبراً" يهم الآخر -كما يهمك- أن تنقله إليه، ولأن أهمية هذا الخبر محض افتراض في ذهنك أنت، وقد يكون بال الآخر فارغاً منه، فلابد من أن ينطوي قصك الخبر علي سمات خاصة به، تعمل كضامنة لإيجاد تلك الأهمية. وكلما تداخلت سمات القص الأدبي، وإعلام الخبر إلي حد الالتباس الماهوي بينهما، وانعدمت أي إمكانية لتمييز أحدهما من الآخر، هنا نكون أمام "أدبية" القص. وقد عرف الإنسان "القص" منذ دخل في علاقة اجتماعية مع الآخرين، ومن ثم كان القص بمفهومه العام متغلغلاً في لحمة النسيج الاجتماعي، وبفضله انتقلت المعارف والخبرات، والأخبار من جيل إلي آخر.

وليس هناك شك في أن الأدب يشكل واحداً من أهم السجلات المعرفية التي يمكن الاستناد إليها في استقاء المعلومات عن التكوينات الباطنة في مجتمع من المجتمعات، والتي يصعب في كثير من الأحيان رصدها عبر سائر المصادر المعرفية المباشرة من كتابات سياسية واجتماعية وفلسفية، وما شاكلها.وذلك لأن الأديب بوصفه فنانا أي كائنا ذا حساسية شعورية خاصة .. مؤهل بهذه الحساسية لالتقاط خفايا الحركة الباطنة من محيط المجتمع، وتسمع نبضاتها الهامسة عبر آذان رادارية، وعين مجهرية. الأمر الذي يوفر للعمل الأدبي ثراء وفيراً من الحقائق والمعلومات التي يمكن للباحثين التقاطها وجمعها وتنسيقها وربطها بمعارفهم السابقة عن الواقع الاجتماعي موضوع العمل الأدبي، ومحل البحث. ولكل هذه الأسباب، ولغيرها يمكننا الاعتماد علي قصة "أنا من اليهود" في كشف أحد الجوانب الخطيرة في المجتمع الإسرائيلي، متمثلاً في إشكالية الهوية التي تهدد بتفجير صراعات وتمردات علي محاولات تسييد ثقافة معينة في هذا المجتمع علي حساب ثقافات فرعية أخري (subcultures).

– تدور القصة باختصار شديد حول شخص "يهودي شرقي" من أبناء الجيل الثالث أو الرابع، أي أنه لم يتعلم اللغة العربية في القاهرة، ولا صنعاء ولا "بغداد" التي تعود جذوره إليها. اندمج آباؤه وأجداده في المجتمع الإسرائيلي الذي تحتل فيها ثقافة اليهود الأوربيين المرتبة الأولي، وتعرف بالثقافة الاشكنازية أو الغربية. فقد كان لقاء المهاجرين القادمين من بلاد الشرق إلى المجتمع الإسرائيلي لقاء صدمة. فقد تكشف لهم فجأة أن ثقافتهم اليهودية الأصيلة بدلا من أن تكون جسرا، شكلت حاجزا بينهم وبين المجتمع الجديد. فهي تثير الاحتقار والعداء، كما أن حاملي هذه الثقافة يوصفون بأنهم أقل شأنا وغرباء على المجتمع الجديد. فظهر لديهم ما عرف بـ "أزمة هوية".

غير أن هذا الشخص ذو الملامح الشرقية، كان يسير في الشارع، عندما بدأ يشعر بشعور غريب، لقد انقلب لسانه تجاه الحلق، وتغير نطقه للكلمات، وصار ينطق العبرية، بلهجة عراقية، وهي كارثة عظيمة، خاصة أن ملامحه تثير ارتياب رجال الشرطة، فهو دائما في نظرهم فلسطيني في طريقه لتنفيذ عملية "إرهابية"، فما بالك بطريقة نطقه التي تغيرت فجأة، لتصبح أقرب ما تكون لطريقة نطق جده أنور (عليه السلام). ذلك اليهودي العراقي الذي قدم لإسرائيل محملا بثقافة عربية إسلامية نهل منها في بغداد، لكنه اكتشف أن الثقافة العربية عملة غير قابلة للصرف في "إسرائيل". وكما يقول العالم الإيطالي الشهير جرامشي:"الثقافة السائدة هي ثقافة الطبقة السائدة". لذلك فضلت "إسرائيل" تسييد الثقافة الأوربية، فالدولة الناشئة في المنطقة بعد 48 تعتبر نفسها طليعة الحضارة الغربية. ولا تريد أن تكون نقطة عربية تذوب بسهولة في محيط عربي أوسع، ومن ثم أصبح من الضروري أن يتخلص "اليهود الشرقيون" من الثقافة العربية التي حملوها معهم إلى "إسرائيل" لكي يتمكنوا من الاندماج في المجتمع.

وكان القرار الرسمي إتباع ما يسمي بسياسة "بوتقة الصهر" دمج المجتمع كله في نسيج واحد. وأبرز تجليات هذا النسيج هو اللغة، وطرق النطق، لا يصح أن تكون هناك طرق نطق بولندية، ومجرية، وأوكرانية، وبلجيكية، وعراقية، ومصرية، ومغربية، وإلا أصبح المجتمع على حافة الانهيار.

وإذا كان اليهود القادمون من الدول العربية يمتلكون جهاز نطق قادرا علي أداء الحروف الحلقية (ع. ح. أ. هـ.) بعكس اليهود الغربيين، فإن الغرب أحق أن يتبع، ومن لا ينطق العين همزة مخففة، ومن لا ينطق حرف الخاء بديلا عن حرف الحاء صعب النطق، فليتحمل السخرية، ونظرات الاحتقار، وربما التضييق في مصادر الرزق (أمي فعلت ذلك في صباها، تفاديا لغضب المدرسين ونظرات التلاميذ الساخرة).

قد يندهش القارئ العربي، والمصري خصوصا من أن تكون طريقة النطق معيارا للكفاءة والكفاية الاجتماعية، لكن الواقع أن العلاقة بين اللغة والهوية في "إسرائيل" كانت ومازالت واحدة من مظاهر القهر، والتمييز الثقافي الذي تجاوب معه اليهود المهاجرون من الدول العربية في البداية، فما أن يفتح اليهود الشرقي فمه حتى ينكشف المستور. لكن الجدير بالملاحظة أن أبناء الجيل الثالث والرابع رفعوا لواء التمرد، وجاهروا برغبتهم في الحفاظ علي خصوصيتهم الثقافية، وقد فجرت هذه الرغبة جدلاً واسعاً في الساحة الثقافية والفكرية الإسرائيلية منذ سنوات حول هوية "اليهود" القادمين من الدول العربية. هل هم يهود شرقيين، أم يهود سفاراديم أم "اليهود العرب" نسبة إلي الدول التي قدموا منها؟!

اليهود العرب

بداية من المهم أن نعرف أن علماء الاجتماع يقسمون المجتمع الإسرائيلي إلي يهود غربيين مواطنون من الدرجة الأولي، ويهود شرقيين (سفاراديم) مواطنون من الدرجة الثانية ومصطلح اليهود الشرقيين يوضع في مقابل اليهود القادمون من الغرب (أوروبا) أما اليهود السفاراديم، فنسبة إلي يهود الأندلس في القرون الوسطي الذين انتشروا بعد ذلك في الدول العربية.

وقد أثار مصطلح "اليهود العرب" ضجة هائلة في الساحة الثقافية العبرية، خاصة أن تياراً نخبوياً من "اليهود الشرقيين"، وبخاصة العراقيين، بدأ يكرس لهذه الفكرة. فكتب عالم الاجتماع "الإسرائيلي" يهودا شنهاف، (وهو أيضا من أصول عراقية) كتاباً بعنوان "اليهود العرب"، يرفض فيه جميع التسميات السابقة، ويصل فيه لنتيجة مفادها أن مصطلح "اليهود الشرقيين" مرفوض جملة وتفصيلاً لأن اليهود القادمين من مصر أو العراق أو المغرب أو اليمن أو تونس أو ليبيا أو غيرها من الدول هم أصحاب ثقافة عربية محضة. كما أن مصطلح "اليهود الشرقيين" غير دقيق لا اجتماعيا ولا جغرافيا، فهم شرقيون بالنسبة لأي بقعة جغرافية، فلسطين لا تقع شرق اليمن، ولا شرق مصر، ولا شرق العراق.

ويصل "يهودا شنهاف" إلي أن اليهود القادمين من الدول العربية ورثوا عاداتهم وتقاليدهم من الحضارة العربية والإسلامية، فكتبوا أدبا باللغة العربية، ومنهم من حفظ القرآن، والشعر العربي، ومنهم من حمل أسماء عربية خالصة، وظلت ثقافتهم عربية حتى في أبسط تجلياتها. فاليهود المغاربة يمارسون السحر والشعوذة، ويقبلون علي زيارة الأضرحة، ويتناولون الأطعمة المغربية. ويهود العراق ثقافتهم مازالت بابلية، ومنهم أدباء كتبوا بالعربية مثل شمعون بلاس، وسامي ميخائيل، وسمير نقاش الذي توفي مؤخراً.

وقد افرز النقاش العام في "إسرائيل" حول هوية اليهود القادمون من الدول العربية، علي الصعيد الثقافي حركة القوس الشرقي التي تنادي بجميع الأفكار السابقة، وعلي الصعيد السياسي أفرز أحزاب، وحركات احتجاج سياسي، وعلي الصعيد الفني أفلام روائية ووثائقية تسجل معاناة هذه الشريحة الاجتماعية.لكن علي الصعيد الأدبي أفرز هذا النقاش العام قصة بديعة حظيت باعتراف جمعي عندما فازت بجائزة صحيفة هآارتس التي تتمتع باحترام عريض من النخبة الإسرائيلية.

حيلة أدبية

– يستخدم مؤلف القصة ألموج بهر حيلة أدبية مشهورة، سبق أن استخدمها "سارماجوا" في "بحث حول العمي" 1995، ففي هذه القصة الإسرائيلية يفقد البطل قدرته علي النطق، ولكنه لا يصاب بالخرس، فهو فقط يفقد لكنته الإسرائيلية، ويشرع في الحديث بلكنة عراقية، كان يتحدث بها جده، وتتسبب هذه العودة إلي الجذور في زيادة شعوره بالتهميش (هامشيته).

– يشك اليهود في كونه عربيا (يعتقله رجال الشرطة مراراً وتكراراً)، ويتنكر له العرب، أما زوجته فتصاب بعدوي طريقة النطق القديمة، لكن لأن أبيها من اليمن، وأمها من تركيا، فتختلط علي شفاها اليمنية بالتركية. وتنجح هذه الحيلة الأدبية البسيطة في فضح مؤسسة القمع الإسرائيلية ممثلة في (الشرطة، وهيئة الإذاعة) التي تراه عربيا، في الوقت الذي يراه العرب (وجهاء فلسطين قبل 48) مجرد يهودي، غريب في بلادهم. وتحول لشخص "ثقافته العربية" هي العدو اللدود "لقوميته اليهودية".

وتتطور القصة، التي تفتقر لعنصر الحبكة، لكنها تقوم علي "الموقف" المتدفق والمتصاعد. ويصل الموقف إلي ذروته بأن تتحول العدوى إلي "وباء" يقتنص إسرائيليين آخرين، يعودون للحديث بلكنات آباءهم وأجدادهم، ولا يتوقف الأمر علي اليهود الشرقيين، بل تصل العدوي لليهود الإشكناز. وتبدأ الثقافات الفرعية (subcultures) في التمرد علي الثقافة السائدة، وتشق عصا الطاعة علي المؤسسة الإسرائيلية التي تبذل أقصي جهد ممكن باستخدام أدواتها (الشرطة – الإذاعة – التجسس علي بطل القصة مصدر العدوى).

لكن يتضح فجأة أن الأمر ليس ثورة اجتماعية، لكنها الزيارة الأخيرة التي تقوم بها الصحة قبل الوفاة، أنها "حلاوة الروح" والسبب ليس مثيراً، وهذا ما يجعله أكثر قوة أدبية. لقد نجحت السلطات في إيقاف الطوفان، وهدم برج بابل قبل بناءه، بالتأكيد علي اللغة العبرية السليمة كشرط للحصول علي عمل ومصدر رزق، وبذلك حاصرت الثقافة العربية وهو ما حدث في الواقع بالفعل عندما احتل الاشكناز المناصب القيادية المهمة، وتركوا للشرقيين الوظائف الحقيرة.

وعلى الرغم من ذلك لا يبدو الراوي مستعداً للعودة إلي لكنته السابقة، التي بذل والداه جهداً مضنياً ليكتسبوها، هم وآبناؤهم. وبناء علي نصيحة جده الذي يتجلي له بصوته فقط، يختار الصمت، ليؤكد أن هذا الصمت لا يشعر من حوله بالأمن، فيقتادوه إلي المعتقل مرة أخري. وإذا كان الصمت ليس حلا، فربما تقوم الكتابة بهذا الدور. (ها أنا اكتب قصائد احتجاجية ضد العبرية باللغة العبرية).

فاعلية العنوان

اختار الأديب ألموج بهر أن يصك عنوان قصته باللغة العربية، وهو اختيار صادم للقارئ العبري لا محالة، لكنه اختيار موفق أدبيا إلي أبعد الحدود كما أنه معبر للغاية عن توجه القصة. فغني عن البيان أن للعنوان دور مهم في سيميوطيقا الاتصال الأدبي. وهو بهذا المعني ليس زائدة لغوية للعمل، ولا هو عنصر من عناصره انتزع من سياقه ليحيل إلي العمل كله، وإن كان كذلك في حالات متعددة. ونحن في غني عن التأكيد علي أن كاتب / مرسل العمل يعطي عنوان قصته نفس ما أعطاه للعمل من عناية، واهتمام. بل ربما كانت "عنونة" العمل أكثر مما نظن إشكالا، فمقاصد "المرسل" منها تختلف جذريا عن مقاصده من عمله، وتتنازعها عوامل أدبية، وأخري براجماتية، وربما أضفنا العامل الاقتصادي (التسويقي). وهكذا تتعقد وظائف العنوان، وتتعدد، ونكون أمام إشكاله الرئيسي وخاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار تمتعه بأولية التلقي. فلا شك أن فاعلية القارئ (المتلقي) تنصب أول ما تنصب علي العنوان الذي يمثل أعلي اقتصاد لغوي ممكن، وهذه الصفة علي قدر كبير من الأهمية، إذ أنها في المقابل ستفترض أعلي فاعلية تلق ممكنة، باعتباره مرتكز التأويل رقم (1).

إذن لقد أراد "ألموج بهر" أن يودع في العنوان أعلى إنتاجية دلالية قادرة علي توريط المتلقي في العمل الأدبي، وقد نجح في ذلك إلى أبعد مدى، خاصة أن العنوان مصاغ بلغة عربية يفهمها القارئ العبري نتيجة التقارب الشديد بين اللغتين سواء في ضمير المتكلم (أنا) العربي، و(إنِي) العبري، وتطابق حرف الجر (من)، والتناظر الملحوظ بين مفردة (هايهوديم) العبرية، و(اليهود) العربية. أضف إلي ذلك أن الكاتب / المرسل "يهودي شرقي" أو "يهودي عربي" مشكوك دائما في ولائه، وظل في خانة الطابور الخامس فترة طويلة بسبب ملامحه الشرقية، وثقافته العربية.والأهم من ذلك المفارقة الأدبية في العنوان، والصدمة التي سيخلفها في ذهن القارئ الإسرائيلي الذي يسمع دائما في بعض المظاهرات الفلسطينية الشعار الأشهر (اذبح اليهود). والذي ينقل للعبرية كما هو دون ترجمة حتى دخل في صميم مفردات اللغة.

– حاول الأديب على صعيد البناء اللغوي أن يطابق بين واقع حال بطل القصة وراويها الذي انقلب لسانه، فصار معقوداً، وبين مستوي الكتابة وطبيعة اللغة المسكوبة علي الأوراق، وقارئ القصة بالعبرية يدرك ذلك بسهولة، اللغة متلعثمة..متناثرة، والكاتب يلجأ أحيانا إلي جمل تقترب من تركيب الجملة العربية ليقترب الشكل من المضمون في هذا العمل الأدبي المتكامل (بحلول شهر تموز…).

تبدو ملامح السخرية قوية في القصة من الثقافة السائدة، أو الثقافة الاشكنازية، وأحفاد اليهود الغربيين المتنفذين في "إسرائيل"، ويتغطرسون بثقافتهم، ومع ذلك يقعون أسرى الثقافة الأمريكية الأرقى من وجهة نظرهم، والنموذج الذي يجب احتذائه (إيقاع التغيير عندهم سيسير ببطء، لأن أولادهم المتغطرسين يظنون أن لكنات آباءهم وأجدادهم كانت في الأصل أمريكية!!). وكذلك السخرية من رجال الشرطة القساة الغلاظ علي يهودي شرقي مثلهم، رغم أن هذه المهنة"الحقيرة" في "إسرائيل" والتي لا يقبل عليها الإشكناز بسبب مخاطر العمليات الفدائية، يحتلها اليهود الشرقيون. والمفارقة أن الشرطي الشرقي يقمع المواطن الشرقي!

– تخلو القصة من الحبكة، ولكنها تقوم علي الموقف الدرامي المتصاعد الفائض بالتفاصيل التي تخدم علي الفكرة الرئيسية، ومع ذلك لا تفتقر القصة لجمال اللغة، وشعرية الأسلوب وهو ما يكسبها صفة الأدبية، ويخرج بها عن إطار المقال الاحتجاجي، خاصة وأن سائر عناصر القصة القصيرة كالزمان والمكان والشخصيات متوفرة بها بشكل جلي.

– تحتفل "إسرائيل" هذا الشهر بالذكرى 58 لتأسيسها، وتأتي هذه القصة لتشكل صرخة احتجاج عاصفة ضد سياسة "بوتقة الصهر". ومن المفيد أن نعلم أن "يهودا شنهاف" يرصد في الفصل الأخير من كتابه "اليهود العرب" ما يسميه: "وقائع عملية "تطهير اليهودي العربي من عروبته"! موضحا أن اللقاء بين الصهيونية وبين اليهود العرب تميز منذ بدايته ( أو منذ نقطة الصفر، إذا ما اقترضنا اصطلاحاته) بتداخل المنطقين القومي والكولونيالي فيه. ومن أجل شمل اليهود العرب في "المشروع القومي" ( على المقاس الصهيوني الحصري) كان على هؤلاء المرور في سيرورة إلغاء لعروبتهم أو حسب تسمية المؤلف كان عليهم التعرّض لعملية "تطهير اليهودي العربي من عروبته". صحيح أن هذا الإلغاء أو التطهير جرى تبريره، من طرف الصهاينة أنفسهم، بأحاديث عن العصرنة والتقدم (بالنسبة لهؤلاء اليهود)، لكن الذي هدّد القومية الصهيونية لم يكن "تخلف" أو "تقاليد" اليهود العرب وإنما عروبتهم المشدّد عليها من قبلهم هم أنفسهم كما يقول "شنهاف". فقد هدد الماضي العربي ليهود الشرق بمسّ وحدة الصف الإسرائيلية المتجانسة ظاهريًا وأن يموّه الخط الفاصل الضروري (سياسيًا) بين اليهود والعرب. وفي هذا الشأن ردّد بن جوريون المقولة التالية: "نحن لا نريد بأن يكون الإسرائيليون عربًا. يتوجب علينا أن نكافح روح الشرق التي تخرب أفرادًا ومجتمعات".

– تؤكد القصة علي أن أسلوب التعامل الفوقي والعنيف الذي يسلب الهوية، هو السبب الرئيسي لتوالد الأحزمة الناسفة، التي تنشأ في العقول والقلوب أولاً، وقد لا يكون هذا دافع للمبالغة بالقول أن الأديب يدافع عن العمليات الاستشهادية، ولكنه درس ينبغي تأمله والوقوف أمامه، والدرس هنا موجه للقارئ العبري المستهدف بالعمل الأدبي، ويجره للتفكير في الممارسات العنيفة التي يقوم بها جنود الاحتلال ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع وداخل الخط الأخضر.

– تعد القصة صرخة متأخرة ضد القهر الثقافي والاجتماعي الذي يمارسه الإشكناز ضد السفارديم، بذريعة أنهم قادمون من بلاد عربية "متخلفة" وبالتالي لا يحق لهم تولي المناصب القيادية. وإن أرادوا الحصول علي تذكرة الدخول في الهوية "الإسرائيلية" عليهم احتذاء الثقافة الإشكنازية، وأبرز تجلياتها طريقة نطق اللغة العبرية، "اليهود العرب" ينطقون الحاء، والعين، والصاد، والإشكناز لا يستطيعون إلي ذلك سبيلاً، والحل علي الترتيب نطق الخاء، والهمزة المخففة، والسين، وتخفيف القاف إلي كاف. ومن ثم من لا يفعل ذلك يصبح سفارادي متخلف.وعلي ذلك فهذه القصة صرخة ضد سياسة بوتقة الصهر التي انتهجتها "إسرائيل" منذ تأسيسها، لإفراز نسيج اجتماعي واحد منسجم وبعد 58 سنة تثبت هذه السياسة فشلها ويستفيق المارد الشرقي، والروسي، والإثيوبي، وهناك نبوءات حول يقظة بطيئة داخل الثقافات الإشكنازية الفرعية.
– يدس الأديب في قصته مفردات ذات دلالة قوية، فعند تحديد زمن القصة يستخدم شهر تموز هو الشهر الرابع في السنة العبرية، وقد جلب يهود العراق هذا الاسم معهم من بابل في القرن الخامس ق.م، ويرجع هذا الاسم إلي الإله البابلي القديم "تموز"..رب الخصب والنماء الذي يموت وقت الحصاد كل عام ويبعث مع الربيع. وذكر الإله تموز في العهد القديم بسفر حزقيال ..(جلست النساء يبكيين تموز). حزقيال 8:14

القاهرة: مـحـمـد عـبـود

"ألموجبهر"

مؤلف القصة هو "ألموج بهر"، شاب في أواخر العشرينات، قاص وشاعر، ومبدع يهودي من أصول عراقية، صاحب ثقافة عربية متينة. وبالرغم من أنه أحد أبناء الجيل الثالث الذي لم يتعلم العربية في القاهرة، ولا بغداد ولا صنعاء، إلا أنه يقود مع آخرين، حركة القوس الشرقي التي تدعو للعودة إلى الجذور، واحترم الخصوصية الثقافية "لليهود العرب".
شارك في مسابقة صحيفة هآارتس كبري الصحف الإسرائيلية، بقصة "أنا من اليهود". ونال استحسان جميع أفراد لجنة التحكيم الذين انبهروا به، ولكنه حظي في المقابل بسخط شريحة واسعة من المثقفين الإسرائيليين الذين اعتادوا الأدب المجند المدافع عن الأساطير المؤسسة لـ"دولة إسرائيل"، وزاد من حنقهم أن القصة التي حصلت علي المركز الثاني كانت من هذا النوع الأثير، وحملت عنوانا موحيا من وجهة نظرهم :"رحمات صهيون"، وحصلت قصة مستوحاة من العهد القديم على المركز الثالث.
وللكاتب "ألموج بهر" قصة قصيرة أخري عن غزو العراق بعنوان:"كيف أمسيت بغداد؟" مشحونة بعواطف جياشة تجاه العراق الذي وقع أسيرا في قبضة الاستعمار الأمريكي. وعدة قصائد تستحق الترجمة إلى العربية، ودراستها بعمق، من أبرزها:"تلك القرى الخاوية" عن القرى والنجوع العربية التي طرد أهلها واحتلها الصهاينة بعد 48، ولكنها مازالت تنبض بدقات قلب عربي جريح، وقصيدة "لأخي محمود درويش"، "لغتي العربية خرساء". وله أيضا عدة مساهمات نقدية عرفت طريقها للنشر في صحيفة هآارتس عقب فوزه بالجائزة.

 

 

امل هي تِقْوَة               / ألموج بِيهَار

                                من العبرية: ألموج بِيهَار

أمَل هِيَ تِقْوَة، حَيَاتي هي حَيَاي،

وعِنْدَمَا تَلْتَقِيَانِ

بين شفتي أم كلثوم

واُذنِيَّ

عِطَش شديد يَحْفِر آبارًا

في قلبي.

 

 

http://www.aljabha.org/index.asp?i=56019

لي باي* والقمر الخاوي       / ألموج بِيهَار

                                من العبرية: روجيه تابور

 

لي باي  يحاولُ معانقةَ البدر ِ

فيقعُ في النهر ِ. وَيموتُ. لقد ناشدَ العالمَ

بــشاراتٍ صينيـّةٍ ثملة, سأفهمُها

بعد صحو ي من نشوتي. حاولتُ أن انهضَ

لأعانقَ كلماتهِ, لكنّي فهمتُ

مدى خواءِ القمر ِ. بعد صحو ي

سأحاولُ أنا أيضا معانقةَ القمر ِالأسودِ

من سطح ِ بيتي ومن قلبي الثَمِل ِ وسطح حياتي المتأرجحة.

أنا مَنْ لم اعِش من قبلُ قربَ نهر ٍ ,

ولم أتقـِن ِ العـِناقَ إلاّ بعد َغربةِ ألفِ ميل

وبعد أن تعلمتُ لغةً أعجميةً, فهمتُ حزنَ لحظةِ موتـِه:

كان لي باي لحظةَ موتـِه كلمةً ثملةً

عانقت الهواءَ المُنفَلقَ وفر ِحت لابتلالـِها بالماءِ.

وكان جثمانـُه حجرا وقع في النهر أو قلبا كبيرا

فاض على ضفـّتيه أو حُلُما تفرّغ في الماءِ

بموتٍ قصير. حكى العالم معه بكلماتٍ ثملةٍ,

فَنَهَلَ ليفهم َوعَرَفَ أنه لا وقتَ للفلسفة.

وأنا أيضا مثلُه, أحب البدرَ الساطعَ لكنّي لا املكُ الشجاعةَ

كي أعانقه. فأعانقُ القمرَ الخاويَ  وقلبي,

فلا يسقطَ, ولا نسقط ْ.

(لي باي شاعر صيني من القرن الثامن مات في سن الواحدة والستين وكان يحب شرب الخمر)

كأس شاي            / ألموج بِيهَار

                                من العبرية: روجيه تابور

 

صباح موتي سأجلس وأشرب الشاي.

سأشرب الشاي بهدوء كامل

وأظل لا أومن بموتي.

بين الرشفات السرمدية اطوف صفحات الجريدة

وافتش في التعازي

عن اناس احياء عرفتهم.

حلاوة الشاي ستكون

احلى  من مرارة الموت

ومن تذكار

كئيب.

وتتناسخ برأسي قصص حبي

في قصة واحدة

مليئةٍ بالحرمان

وكل ِ الفضائل.

ومع ذالك تظل مطوية ً

في جواريرِ مكتبي الباسل

اسرارٌ  لحياة ثانية.

وفي النهاية على سريري حيا ل ملاك  ِموتي, كلُّ شكوكي

لن تكفي لدرء حقيقة موتي.

ونهايتي هي بدايةٌ, ليست بدايتي.

باحة في القدس                   / ألموج بِيهَر

                                من العبرية: مروان مخول

متعته الليلية قرصُ الحُب

في جسدي، في باحةٍ قدسيّةٍ، بينَ الأحجارِ والكرمة،

بينَ أنغامِ العودِ و "اللادينو"، بينَ حيطانِ جسدي،

على أطراف الباحة جدارٌ حديديٌّ قديم، هناك التصقت،

عجوز محجبة، أتت من الزُقاق.

وفي طريقها إلى البيت عائدةً من بيت الله تتذوّقُ الأنغامَ،

تتخيّلُ أنّها للحظةٍ تزال ابنة الملك،

تعبر بين الباحات. وكأنَّ العود لغةً ممنوعةً

عن مسامعي، تتحرّرُ في الباحةِ من قيود آسره، وأنا

الذي درّبت نفسي على رضاعة العسل من الصخر،

أتعلّمُ شرب الرّحيقِ من فتاةٍ. عينا العجوزِ تضحك

من خلف ظهر العازفين والمطربة السمينة والجميلة.

وهي خُيّلت لي كأنها جدّتي، قبل موتها

عادت لتتكلّم بالعربية، دون العبريّة.

 

لا اسم للقدس

شعر: ألموج باهر

                                                                   ترجمة: روجيه تابور

لا نهر للقدس

و لا للنهر روافد

وللروافد لا ضفافَ خضراء

تتبختر على امتدادها صبايا مبعثرةُ النظرات

شعرهن الطويل لا يظلل

من وطيس ِ شمس ٍحارقةٍ فوق القدس.

والنهر الذي ليس للقدس لا اسمَ له

وللأسم لا اناسَ يسمّون به

وللناس لا لحظةَ يـُنادى فيها الأسمُ

ومثل اسم مدينته يضمد جروحا

ويفتح اخرى

مترددا كالصوت بين الجبال حوال القدس.

الشعراء الاموات         / الموج بيهار

ترجمة: ساسون سوميخ

ألشُّعَراءُ  الأَمواتُ

أشْعَرُ مِنِّي

أَشْعَرُ مِنَ الشعَراءِ الأحْياءِ

أَشْعَرُ مِنْ أُولئكَ الذينَ لَمْ يولدوا بَعْد

عِنْدَما أَغْدو شاعِرا

شَاعِراً مَيِّتا

فَرُبَما سَأكُونَ أشْعَرَ

مِنِّي

أشْعَرَ من الأَحْياءِ

أشْعَرَ مِنَ الشُّعَراءِ الذينَ لَمْ يُولَدُوا بَعْد.

http://www.doroob.com/?p=6846

الشيخ جرّاح, 2010           / ألموج بيهار

ترجمة من العبرية: أنوار سرحان

 

                        "لا حرمة لمدينة محتلة"..

                                    من شعارات المظاهرات

أ-

جئنا بالطبول في صعود طريق نابلس. وأنا كل الطريق

كنت أخشى أن يزعج الضجيج راحةَ الجيران

إذ تذكرت أني لا يسعدني أن يمرّوا بالطبول في حيّي

وكنت أخشى أنّ الإيقاع أكثرُ ابتهاجاً من التعبير عن وجع

من أُلقوا إلى الشارع. غضبِ من جاءوا من الشارع.

ب-

يهوديٌّ بلحيةٍ أنا.. بكاسات شاي.. بمسيحٍ

لن يأتي بعدُ. بوصايا عدةٍ منذ أجيالٍ أمنّي

القلبَ بصونها فلا أفلح, بذاكرة قداسة كلمات عربية

بحرفٍ عبريّ. وللحظة، من جانبَي الجدار المحبوك

الذي ترعرع عند عتبة بيت عائلة غاوي الملقاة إلى الشارع

التقينا أبناءَ ديانتين مختلفتين إنما أختين.

له أيضاً لحيةٌ وذكرياتٌ ووجهه يتجزأ عبر الجدار إلى عشرات

الأجزاء، وهو  يرميني بتهمٍ قاسيةٍ كأخ،

أن غدوتُ مهجريّاً*، أنّني حانق، يأكلني الكره لذاتي، أحبّ

العرب, خائنٌ، أشي بأبناء شعبي في أشعاري، أكثر خطورةً

من اللاساميين، "كابو"*، وهو يذكّرني بفظاعةٍ

بمحارق أوشفيتز ويده الممتدّة  إلى إله يعِد

بإعادة أرضه إلى شعبه أو شعبه إلى أرضه.

لوهلةٍ فكّرتُ بإمكانيّة أن نعود ابنَي ديانةٍ واحدة

يهوديّين أنهكتهما الاتهامات. تناولتُ يدَه

واقترحتُ عليه أن نذهب كلانا إلى قبر شمعون

الصدّيق، ونغدقَ الدّموع على الصدّيق وعلى الندوب التي أندبنا

في قلبه العجوز، لعلّ الصدّيق يبكي علينا وعلى عمق الصّدع

الذي يهدّد بتصداعنا وأرضِ إسرائيل، بين ألمانيا وفلسطين.

*مهجريّ: مصطلح استخدم إشارة لليهودي الذي تقبّل المهجر بسلبيّةٍ وضعف بعكس اليهودي الفاعل الساعي إلى الهجرة  لإسرائيل.

*كابو: لقبٌ أُطلق في المعتقلات النازية على الأسير اليهودي العميل الذي يعيَّن عيناً على زملائه من الأسرى لضبطهم وإهانتهم.

ج-

ما أن وصلتُ إلى الشيخ جراح حتى رحتُ أبحث عن يهود.

كما في وصولي لبلد بعيد إذ أبحث عن رفقةٍ  ليكتمل نصابُ الصلاة

أو ركنٍ بطعامٍ حلال وولائمِ السبت والعيد .  وأنا على بُعد

عشرين دقيقة سيراً من بيتي، من كنيسي. وقتُ دخول

السبت يلحّ، وأنا أهمس لإلهي أن  يتقبّل صرخة

الشعارات كما لو كنتُ استقبلتُ السبتَ  أمامه

بأكمل وجه، وكما لو صليتُ له صلاة  مساء

السبت  بأكمل النوايا.

د-

وأردتُ عبورَ حاجز الشرطة

والهبوطَ للصلاة في قبر الصدّيق* مع المصلين

القادمين جميعُهم مستحمّين متزيّنين. ننشد أمام الصدّيق

بجذلٍ كبير ونستقبل السبت

وأستسمحه أن أصلي مع الخطّائين

وأرجوه أن يلتمس العذر للمتظاهرين

الذين يفسدون السبت كي يقدّسوا وجهَ الله  في أورشليم.

     * الصدّيق- إشارة لقبر شمعون هتصديق المحاذي لحي الشيخ جراح في القدس

ه-

وكان أن حلمتُ في إحدى الليالي: نأتي للشيخ جراح متظاهرين

جماعاتٍ جماعاتٍ من المطرودين ، وبيننا يسير اليمنيون الذين طُردوا

من مستوطنة كنيرت، ولاجئو الخليل اليهود منذ 1929

وعربُ البقعة، الطالبية، القطمون، مئا شعريم، لفتا

وعين كارم الذين طُردوا في النكبة، ولاجئو الرّبع اليهودي

الذين  في 48 طردهم الأردنيون، وفي 67 أممت بيوتهم بيد

حكومة إسرائيل  لتباع غالياً ويبقوا لاجئين،

والفلسطينيون الذين طُردوا من القرى المحيطة باللطرون في 67

والشرقيون الذين طُردوا من حيّ يمين موشيه ، بعد سنين

في مرمى القنّاصة ، كي يفسحوا مكاناً للفنانين والرسامين،

وسكانُ القرى غير المعترف بها في النقب، ومتضررو القروض*

المقذوفون من بيوتهم بأوامر دائرة الإجراء ، وسكانُ يافا والمصرارة

المدفوعون لإخلاء بيوتهم لصالح غنيٍّ منهم ، وأهالي سلوان

الذين تهددُ أوامرُ الهدم بيوتَهم.

 * متضررو القروض: من اشتروا بيوتاً بقروض بنكية ولما لم يتمكنوا من التسديد تلقّوا أوامر بإخلائها.

ه-

وكان أن حلم عمدة أورشليم  في إحدى الليالي : الشيخ جراح

تغدو إسفلتاً، ساحةً كبيرةً لوقوف السيارات، ومن رأى فيها تينة

ومن رأى فيها زيتونة، من رأى فيها كرماً، سيرى سياراتٍ في موقفٍ عملاق،

حتى آخر الافق،  كما مركز تجاريّ في مدينة أمريكيّة هادئة.

في الشيخ جراح سيحلّون مشاكل ساحات السيارات في أورشليم، ربما

في إسرائيل يحلّون كلّ  مشاكل الساحات في العالم،

فلسطين كلُّها ستُكسى إسفلتاً ، لأن الحلّ يكمن في الإسفلت الذي سيهدّئ أخيراً

الصراعَ على قداسة الأرض، التي ستختفي..

و-

ووقفنا مئات المتظاهرين أمام حاجز الشرطة في مدخل الحي.

نتقدّم  ثمّ نتراجع، نتهرب من الشرطة ثم نعود

إلى ذراعيها، نتحرك في دوائر، نكاد نصل إلى الشرطيين

ثم نلتفّ هاربين، فيما هم يضربوننا كما آباءٌ غاضبون

يتلهفون لتربية أبنائهم، كما طلابُ مدارس يصرّون على إعادة الضربات

ونحن لا ندري هل نرجوهم أن يرأفوا بالشيوخ،

بالنساءِ الحوامل والأطفال،  هل نقف ونتلقّى الضربات بحبٍّ

هل نلتفّ هاربين مجدَّداً ، ثمّ نعود من جديد.

ز-

ووقفنا مئاتٍ من المتظاهرين أمام حاجز الشرطة في مدخل الحيّ.

ونظراتُ رجال الشرطة، الذين وصلوا للتوّ من دورتهم التعليمية،

متعَبين من المناوبة الإضافية  الني فرضناها عليهم،

من الأجرة القليلة، من صيحات  الضبّاط والمتظاهرين،

قلقةٌ أن تمتدّ المظاهرة حتى دخول السبت هذا الأسبوعَ أيضاً

وقائدهم يأمرهم بصدّنا من الشارع، إذا لم يصدّوا

سيلغي لهم إجازة السبت، ونحن مع كلّ ضربةٍ نكرههم

وننسى قائدَهم، عمدةَ المدينة، والمحكمة.

وتمنيت في أعماقي لو أعبر لجهة رجال الشرطة ، أتناول البوق

من قائدهم، وأطلب بألمٍ من المتظاهرين أن يتفرّقوا، أنادي:

هذا الأسبوع نحن لا ندّعي بأنّ المظاهرة غير قانونية، لا،

إننا نرجوكم فقط  أن تنتبهوا لذاك الأجر الذي يتقاضى كلٌّ

منا كذا وكذا شواقل عن كلّ ساعةٍ من المظاهرة،

مقابل وُعودنا لنسائنا بأن نأتي  لوليمة السبت،

من فضلكم، اذهبوا هذا الأسبوع وتظاهروا في بيت عمدة المدينة،

رئيسِ الحكومة، أو المليونير الذي يشتري لهما البيوت،

في صالونات أهاليكم وجيرانكم ، أريحونا فقط هذا الأسبوعَ، رجاءً.

ح-

في الطريق للمظاهرة أذّن المؤذن من مئذنة المسجد بمقام الصَّبا

وكنتُ أنشد بهدوءٍ لإلهي في ذات اللحن:

وتشهد أعيننا عودتَك لصهيون بالرحمات، بالرحمات"*

*مقتبَس من صلاةٍ يهودية (صلاة الوقوف أو الفصول الثمانية عشرة).

ط-

شمعون الصدّيق من بقايا الكنيس الأكبر كان

تلميذَ عزرا الكاتب، سيّدَ أنطيجنوس رجل سوخو

وكان يقول: على ثلاثةٍ يقف الكون:

على التوراة وعلى العبادة وعلى العمل الصالح

ونحن لسنا تلاميذَه ولا تلاميذَ تلاميذِه

ولا تقع علينا الفروض السماويّة بعدُ كما على تلاميذه،

ولسنا مطالبين بالعمل الصالح

إلا مع أنفسنا، والكونُ لم يعد قائماً

نسينا أن كنّا غرباء  في أرض مصر، نسينا

أن التوراة واحدة ، وحكمها واحد لنا وللغريب

المقيم معنا، نسينا أن أبناء عائلة حانون ليسوا غرباء

في هذي البلاد, أن أبناء عائلة الكرد  ليسوا غرباء

في هذي البلاد, ان أبناء عائلة غاوي ليسوا غرباء

في هذي البلاد, وما زلنا ننسى.

ي-

عند ساحة عائلتي الكُرد وحانون المطرودتين، جنديّ  من حرس الحدود

يناديني. ماذا تفعل هنا؟ يسألني ما كنتُ أبغي سؤاله عنه.

منذ عامٍ فقط قرأنا معاً آريسطو، موشيه بن ميمون، الغزالي وجوانغ ديزيه،     

وها هو الآن يعمل على إبعاد العقول

من بيوت المطرودين. "إنه معلمي"، يقول مرتبكاً

لجنديّ آخر ينضمّ إلى الحديث متذمّراً: كلهم يكرهوننا،

غاضبون منا أكثر من طيار يلقي بالقذائف،

يشتموننا، وعلينا في النهاية أن نفصل هنا

بين الأولاد المتقاتلين كما لو كنا حاضنات، ماذا تقول في هذا؟

وأنا لم أقل شيئاً، كنت أحاول في ذهني أن أربط

بين موشيه بن ميمون والغزالي وبين الطرد من الشيخ جراح.

ألموج بيهار-  نُشرت بموقع واي نت بتاريخ 04-07-2010-         ترجمة : أنوار سرحان

http://gerila.co.il/images/user/file/%D8%A3%D8%A8%D9%88%20%D8%AF%D9%8A%D8%B3_.pdf

ألموج بهار

نابلس، 1967

عن العبريّة: ألطّيّب غنايم

ها فدوى طوقان تصمتُ قَصَائِدَ

على عتبة بيتها النّابلسيّ.

بينما ضبّاط الجيش يقفون في باحتها خائفين

متسائلين:

أَلن ينطلق بيت قصيد واحد

من قلم فدوى طوقان

فيجابهنا؟

شهر يعقبه آخر

صَمْتُها يَسْتَطِيلْ

وفي كلِّ بيت وحقل

من المساحات التي احتلّها الجيش

فإنّها تَصْمِتُ قصائدَ

أمام فوّهات البنادقْ.

توجِّهُ كَلِمَاتٍ مِنْ مدادٍ أَبْيَضَ

صَوْبَ فُوَّهَات البنادقْ.

ها فدوى طوقان تصمتُ قصائدَ

داخلَ بيتها النّابلسيّ.

يَقِفُ الجيش في باحتها

وهي تلوّح من شُبَّاكِها

قصائدَ من مدادٍ أبيض.

لا تلملم أغراضها وتسافر نحو الغربة

لكن قصائدها قد صارت غريبةً عنها.

شهر يعقبه آخر

صَمْتُهَا يَسْتَطِيل

والكثير من أبيات القصيد التي لم تُولَد

تُغْرِقُ قَلْبَهَا بمِدَادٍ أَبْيَضَ.

http://www.qadita.net/2011/01/%D9%86%D8%A7%D8%A8%D9%84%D8%B3%D8%8C-1967-%D8%A3%D9%84%D9%85%D9%88%D8%AC-%D8%A8%D9%8A%D9%87%D8%A7%D8%B1/

سنتان قبل الصَّخَب              / ألموج بيهار

عن العبريّة:  ألطّيّب غنايم

"إمّا أن تكون الكعكة لجميعهم، وإمّا ألاّ تكون كعكة"

سعاديا مرتسيانو (1950-2007) فهد أسود ومقاتل من أجل العدل

كُتِبَت هذه القصيدة سنتين قبل الصَّخَبْ

بينما جلسنا في البيوت، ولفترات

متباعدة خرجنا للتظاهر، وعلى الغالب

لم نغلق الشّوارع، لم نُقْتَدْ للأسر، لم

نشوّش حياة أحد. لن يعاود

تيدي كوليك بالصّراخ نحونا: "أيّها المخربون

ابتعدوا عن النّجيل"، وعنّا لن تقول جولدا:

"هم ليسوا بلطفاء"، ومعنا

لن يتكلّم أحد. بعد أربع سنوات

تقريبًا، حينما نكون بعد الصّخب بسنتين،

لن نذكر لماذا وَاصَلْنَا الجُلوسَ في البيوت،

لِمَ لَمْ نَقُلْ شَيْئًا فظًّا، لِمَ

لَمْ نَصْرُخ، لَمْ نحاول التّظاهر قبل الوقت،

قبل الصَّخَبْ. الآن بالذات يَسْهُلُ الحُبَّ،

سنتين قبل، سَهُلَ الابتسام للحياةِ، سَهْلٌ

حتّى أن أَعِدَ باحْتِمَالِ لِقَائِنَا

بَعْدَ انْتِهَاءِ كلّ شيء، سنتين أو أكثر

بَعْدَ الصَّخَبْ

*

נַסִיתֻ לִסַאנִי, אֶל הַנְּשִׁיָּה הִטַּלְתִּיהָ
וַלַא אַעְרֶף אֵיךְ נֶעֶרְפָה מִמֶּנִּי
בִּדוּנ צַוְתִהִ שׁוּב לְעַצְמִי לֹא צוֹתַתִּי
וַמַעַ קַלְבִּי גַּם רוּחִי הָלְכָה אַחֲרֶיהָ
וַבִּאלְחֻקוּק כַּלַאם לֹא נוֹתַר לִי מִמֶּנָּה
לַכִּנַ אֶלְחַ'וְף אַנְ אַחְ'רֻג' כְּבֵן חוֹרֵג לָהּ
עַל כֵּן, אַחֲרֵי שֶׁסַּמִעְתֻ קַלְבִּי אלְאַגְ'וַף
צִוִּיתִי כִּי יַתַקַלַּבֻּ קַלְבִּי
וַּכֻּנְתֻ וַאקִף עִם לִבִּי בְּמַהְפֵּכָתוֹ
יָמִים אֲרֻכִּים, אַיַאם טַוִילָה,
וּשְׁנֵינוּ מְשַׁנְּנִים: כַּיְפַ נַסִיתֻ לִסַאנִי,
אֵיךְ כָּךְ אֶל הַנְּשִׁיָּה הִטַּלְתִּיהָ.

http://hkzathdthcohen.blogspot.com/2009/12/blog-post.html

التاسع من آب 2002 أورشليم*

ألموج بهار

من يرى أورشليم في خرابها

فليمزق مزقاً بملابسه

ثم يخيط المزق

كي لا تكون ملابسه ممزقة قطعا قطعا

 

وليسرع بالخروج والبحث عن الأحياء في المدينة

في كل زقاق

وبكل لغة

حتى لا نبكي عبثاً

نكثر من البكاء على كارثة بنت صهيون

وأورشليم مبنية على يد منظمة "بنيان عولام"

 

وكل أبوابها لم تعد مهجورة.

 

خرجت ووجدت قطة تعبر في محطة تفتيش الشرطة

وارتبكت أمام الحائط بين مساعدة النساء والرجال

ورأيت رجالاً كثيرين يعيشون حياتهم كل منهم بلغات كثيرة

نساء ورجال يعيشون بلغة أبائهم ولغة أمهاتهم بلغة المكان

ولغة الطريق بلغة ابتساماتهم ولغة اليأس الشديد

 

ومزقت مزقاً كبيراً

على أفكار الصخب والشرخ بقلبي

اللذين يطاردانني في كل أماكني.

 

ولم أضمد المزق

حتى يعرف الجميع أن مصيبة حلت بي، وينادون:

من يرى إنساناً في خرابه

فليمزق مزقا في ملابسه

وليتوقف عن كتابة الشعر

كي لا تكون روحه ممزقة قطعاً قطعاً

 

وإذا كانت روح النبوة لاتزال تسري في هذه المدينة

كنت لأصعد على أحد الجبال

وأتنبأ بأن مصيري هو أن أقيم حركة سرية ضد الحزن

مصيري أن أرسل كتائب من الأفكار حول ميعاد آخرة الأيام

مصيري هو أن أكون في هذه المدينة.

__________________________________

* التاسع من آب هو ذكرى خراب الهيكل اليهودي عام 72 بعد الميلاد، أما عام 2002 فهو عام البدء في بناء الجدار العازل. يخلط الشاعر بين الحدثين محاكيا المصادر الدينية اليهودية للحديث عن أورشليم/ القدس، الآن.

קצֶה מִדרכָה   / אלמוג בהר

סוֹפִי בְבוקר פשוט,

כְשהַאלוהים יקִיץ מִשנתוֹ,

וְיוֹדֶה בְכךְ שֶכבר מִזמן הוא אִיבד את אמוּנתוֹ.

וְיַשכים וְיִכתוב עַל קירות ערים בְגְרַאפִיטִי אדום:

"אלוהים הוא אתאִיסט".

וְאחרֵי כמה שבועות אקיץ גם אני מֵחלום

וְאבִין שֶכמה ימים כבר חלפוּ בחיי

בלִי אלוהים.

כמה ימִים כבר חלפו בְחיינו

בלִי אלוהים.

וְסִדרם שֶל הדברִים לא יוּפרַע.

הַמאוֹר הַקטן וְהַגדול, הַכוכבים וְהַמזלות,

כוּלם ימשִיכוּ בִתנועתם

וְהַחיוךְ לא יגווע בְלב מִי

שֶנולד בלִי אמוּנָה.

וְרק אני אלטף בְמַדְקרוֹת אֶת לִבִי

מנסֶה אִם יֵש שִינוּי בַכאב.

בְקפִיצוֹת מעלָה אבדוֹק

שֶלא חַל שינוי בְהכרח הַנפילה.

וּבְהִתְרסקותי מטָה אל שוּלֵי מדרכָה

לְצד רגליי אנשִים

אוודא שֶלא חַל שינוי בְוודאות הַמִיתָה.

וְשם בְקצה הַמדרכָה

יהיֶה פחד פנַי הַמִתרוקנים

כְקְצֶה תְהוֹם עוֹלָם

בִפְנֵי הַאֵל הַמִתְרוֹקְנִים.

קְצֶה תְהוֹם שָנִים.

http://www.almasryalyoum.com/node/145634

أديب إسرائيلى يُهدى محمود درويش «قصة عبرية» عن التعايش المستحيل                         /  محمد عبود

مرت منذ أيام الذكرى الأولى لوفاة نبى الشعر الفلسطينى محمود درويش. والحق أن درويش قد مات، لكن شعره حىٌ لا يكف عن استفزاز طاقات أعدائه قبل أصدقائه.

ولك أن تعلم أن غالبية قصائد درويش مترجمة إلى العبرية، وأن حجم الكتابات النقدية الإسرائيلية لإنتاجه أكثر من قدرتنا على حصرها فى هذه السطور. لكن ما يثير الاهتمام، حقا، فى ذكراه هى تلك المعارضة القصصية المهمة لقصيدته الشهيرة: «شتاء ريتا الطويل».

فقد لجأ الشاعر والأديب الإسرائيلى المعروف «ألموج بيهار» لمعارضة تلك القصيدة التى تحكى عن علاقة محكوم عليها بالفشل تربط الشاعر الفلسطينى بفتاة يهودية من أصول غربية. «بيهار» واحد من أبرز كتاب القصة القصيرة فى إسرائيل، ويعبر فى قصصه عن عُزلة «اليهود العرب» فى مواجهة اليهود الغربيين (الأشكنازيم) الذين يستعمرون المشهد السياسى والثقافى فى إسرائيل. ويشكّل «شعر محمود درويش» موتيفا مهمة فى إنتاج هذا الأديب الإسرائيلى شعراً ونثراً.

ويصل هذا الاهتمام ذروته فى قصته القصيرة المهداة لدرويش «بين ريم وعيونى.. بندقية» التى يقدم فيها شخصية شاب يهودى عراقى عانت أسرته من سيطرة الثقافة الأشكنازية، واضطرت للتنكر لأصولها الشرقية ولغتها العربية.

وفى لحظة درامية يرتبط بشاعرة فلسطينية مبتدئة من عرب 48، تظن أن صعودها الاجتماعى مرهون بالتنكر للغتها العربية وأصولها وماضيها أيضا، وتحاول الاندماج فى المجتمع الإسرائيلى، وتبنى لغته العبرية، كما فعل «اليهود العرب» من قبل! وتطرح القصة، بشكل غير مباشر، قضايا عميقة مثل التشويه الناتج عن (أسرلة) عرب 48، وعزل اليهود العرب عن أصولهم لصالح مفاهيم المستوطن اليهودى القادم من أوروبا بثقافة كولونيالية.

وعلى خلفية قصيدة محمود درويش الشهيرة، تتعقد العلاقة بين «ريم» والشاب اليهودى، فهو يحاول القفز للوراء نحو أصوله، وهى تحاول القفز نحو أحضان العدو.. لكن آلة الضغط الاجتماعى تسحبهما نحو هاوية الاغتراب. فلا هو يقدر على مواجهة أهله بعلاقة مع فتاة عربية، ولا هى تقدر على مصارحة أهلها بحقيقة علاقتها بجندى إسرائيلى تفصل بينها وبينه بندقية، كما غنّى مارسيل خليفة من شعر محمود درويش.

 

بين ريم وعيونى .. بندقية                 / ألموج بيهار

هل تذكرين يا أمى عندما حكيت لى عن زوجين يهوديين جاءا ليسكنا إلى جواركما فى القدس. كانا لاجئين أيضا، أتيا من واقع مختلف. دلفا إلى الشقة المقابلة لشقتك، وشقة والديك. وقد خطَّ الشيب شعرهما فى أوروبا. فى أول ليلة أمضياها فى بيتهما الجديد وفى أرضهما الجديدة، رأيتهما يلتصقان بالراديو. وبعد ذلك كنت ترينهما كل مساء يلهثان بين محطات الإذاعة بأصابع لا تعرف الهدوء، فيسمعان لغة عربية آتية من دول أخرى، ولا يعثران على لغة أوروبية فى صحراء الكلمات. كانا لا يعرفان العبرية بعد، ويقول أحدهما للآخر، وقد أكلهما اليأس: «العرب يحاصروننا من كل حدب وصوب، كيف جئنا للعيش هنا؟».

اسمعى يا أمى، يجب أن نتفهمهم، لقد جاءوا من شرق أوروبا ليقيموا دولة لليهود هنا. ولم يعرفوا من قبل أن هناك يهودا لا يتكلمون اللغة الإيديشية، ونحن أيضا، قبل مجيئنا إلى مخيمات الإيواء المؤقت التى جهزوها لنا، لم نكن نصدق أن هناك يهودياً حقيقياً لا يتكلم اللهجة العربية اليهودية باللكنة العراقية.

وبعدما انتصروا فى الحرب، وطردوا مئات الآلاف من الفلسطينيين، ونجحوا فى تغييب العرب الذين أشاعوا الرعب فى نفوسهم، وحققوا حلمهم، وصارت لهم دولة، باتوا فى حاجة لنا لكى نملأ البيوت الخاوية التى تركها اللاجئون وراءهم. وكنا بالنسبة لهم مجرد معادلة حسابية، رغم أنهم لم يلتقوا بنا من قبل. كنا مجرد يهود لملء الفراغ الذى تركه الفلسطينيون خلفهم، كنا مجرد صفقة جيدة عقدها بن جوريون مع نورى السعيد، وعلى حين غرة، وبعد مرور ثلاث سنوات على إقامتهم للدولة، أصبح يهود العراق يمثلون واحدا على ثمانية من إجمالى السكان اليهود.

هل تذكرين شعورهم عندما رأونا نهبط من أبواب الطائرات، وأدركوا أننا عرب، لقد «نظفوا» الأرض- مؤخرا- من الفلسطينيين العرب، وها هم يحصلون فى المقابل على عرب عراقيين، لديهم نفس الشوارب، ويستمعون لنفس الموسيقى، ويتحدثون نفس اللغة واللهجة واللكنة. لقد فشلوا حتى فى التمييز بيننا، ولم يدركوا الفروق بين اللكنتين الفلسطينية والعراقية، فانفجرت سخرية القدر فى وجوههم.

لكننا فى النهاية يهود أيضا، لدينا معابدنا، ونحافظ على الصلاة أحيانا، ونصلى بالعبرية، مع أننا عرب فى كل شىء. لقد ألجمتهم الدهشة، ولم يعرفوا ما العمل مع هؤلاء العرب، فربما نتحالف مع العرب الرابضين وراء الحدود، ونأخذ منهم الدولة، لذلك قرروا إنقاذ أبنائنا، حتى لا يكبروا ويصيروا عرباً مثلنا، فليكونوا يهوداً مثلهم، وعندئذ فقط يقبلونهم فى دولتهم.

لكن ما الداعى اليوم، فهم باتوا يعرفوننا، ونحن أصبحنا نشبههم، وهم أضحوا يشبهوننا، وحَفَّ معظمنا شاربه، ونسينا اللغة العربية، واللكنة، وهم نسوا اللغة الإيديشية، ولم نعد نخيفهم كما فى الماضى، وصرنا نحلم بأمريكا مثلهم، وتسابقنا فى نسيان ماضينا، ربما لأننا سكنَّا بينهم. فقد صممنا على الإقامة فى تل أبيب، ورامات- جان، وبيتح تيقفا، وصرنا اليهود الشرقيين الوحيدين الذين عرفوهم، نحن واليمنيون، أما المغاربة فقد ألقوا بهم بعد ذلك فى «مدن التطوير» بالنقب والجليل، فعاشوا مع بعضهم البعض، ومازالوا يذكرون ماضيهم. ولم يهتم اليهود الغربيون بهم، ولم يهتموا هم باليهود الغربيين، أما نحن فقد كنا أول من ربط نفسه باليهود الغربيين.

آه يا أمى، لو بذلتم معى مجهودا كافيا لدراسة الشعر العربى، لكنت عرفت باحتمال وقوع شاعر فلسطينى فى غرام فتاة يهودية تعيش فى هذه البلاد. وكنت سأطلب منكم أن تصفوا لى «ريتا» ذات الشعر الأحمر، تلك الفتاة اليهودية الغربية بطعم توت السياج، وحبات الكريز، تلك الفتاة التى تأتى من الكرمل وهى تحمل بيتها بين ضلوعها، وتحضر فى حقيبتها قليلا من روعة البحر الأزرق إلى لقاءاتهما فى الوادى. لكنكم يا أمى لم تقرأوا علىَّ أبياتاً من شعر محمود درويش، وأنا لم أنتظر أن تكتب عنى شاعرة عربية قصيدة حب طويلة وملحمية، لم أنتظر قدومها عند أبوابى بضفيرتها السوداء الطويلة، ووجهها الجميل كبدر التمام.

وذات مساء فى بدايات شهر أغسطس، وقبل أربعة أسابيع من تجنيدى فى الجيش، دلفت وحدى إلى مقهى فى تل أبيب لكى ألقى الشعر، فسمعت «ريم» تقرض شعراً بالعبرية، وشقت كلماتها نهراً فى روحى: «القلب يشتهى.. فيصير القلب شهوة. ويرنو لاحتواء بقية العرائس.. عرائس الجسد والروح. ويتزن العقل.. فيصير العقل راجحا.. مختالا بنفسه. ويرنو لاحتواء سائر أعضاء الجسد. وأنا اختزلت جسمى فى رَحِم ترق لحال الآخرين، وتحتويهم لكى تلدهم من جديد».

عندما هبطت من المنصة الصغيرة، نظرت إلىّ ريم، فحكمت علىَّ بالحب. بدون أن تقول كلمة جلست بجانبى، شاعرة فلسطينية فى بداية طريقها، اختارتنى أنا لكى أكون حبيبها اليهودى. تبادلنا قليلا من الصمت، ثم حكت لى قصة حياتها الممزقة، وطلبت منى أن أروى لها قصتى. أخبرتها أننى ما زلت بلا قصة، وما زلت أرغب فى الإنصات إليها.

«الحب.. رَحِم»، قالت هذه الجملة عندما طلبت منها أن تشرح لى قصيدتها، واستفاضت: «فى البداية يكون الحب ضيقا، فالحب قاصر عن الاحتواء، يُحْكم حصاره حول المحبين، ويجب علينا مغازلته، ومراودته بعبارات الغزل الندية. ونحاصره بالكلمات والقصائد والأيدى. وعندما يحاول أن يستجمع قوته ويتماسك، تنهار مقاومته، وتتسع رقعته فيلد حبا جديدا، الحب مثل الرَحِم، يلد مشاعر جديدة دائما».

حكت لى عن قراءة الشعر فى الأمسيات، وفى المقاهى الصاخبة بلغة العدو، وعن العودة إلى العزلة فور انتهاء القراءة، تلك العزلة التى سرت فى أوصالها، واستوطنت أعضاء جسدها، منذ غادرت منزل أسرتها، منذ غادرها منزل أسرتها، ومنذ هجرت لغتها تقريبا، فتخلت عنها.

كلامها عن الحب أثار جنونى، وصرخت: «الرَحِم دائما عندكم هى الرَحِم، الهدف منها تناسل يتلوه تناسل. تتكاثرون، وتتناسلون لتزيد أعداد أولادكم. رَحِمك هذه تثير رعبى، وأنت تحاولين أن تمتصى بداخلها قداسة العالم كله. إنك لا تدركين أنهم علّموكِ أن تقولى رَحِم، وتعيشى طوال الوقت فى فلك الرَحِم، يجب أن تعترضى.

إنها مسألة مخيفة، ليس بسبب ما يقولونه عندنا فقط، من أن رَحِمكن هى ألد أعدائنا، ومن خلالها ستهزموننا فى النهاية، وتقضون على كل القنابل النووية التى نودعها فى أقبيتنا». ردّت علىّ بنظرة تحذير، فوجدتنى- ثانيةً- أتعجل نقلها إلى خانة الأعداء، وأتعجل بناء جدار فاصل بيننا، هى فلسطينية، وأنا يهودى، وهى ما زالت لا تعرف، ومن حقها أن تتصنّع هذه الاختلافات وقتما تشاء، أما أنا فليس من حقى.

هى قررت أن تكون علاقتنا بين رجل وامرأة. وقالت: «أنا أريد أن ألد نفسى من جديد، وأن ألدك، لتصير ابنى. وأريد آلاف الأشياء الأخرى. أريد أن ألد حيوات كثيرة فى هذا العالم الساكن الخاوى الغريب. كيف يمكنك أن تتخلى عن الرغبة فى التناسل، دون أن تغير منى؟ رَحِمى تشفق على صمت العالم، وتريد اجتراحه، وأنت تخاف من أولادى؟ فماذا لو كانوا أولادك، وجزءا منك أيضا؟ لم تقترح علىَّ امرأة، من قبل، اقتراحا كهذا، سواء كانت عربية أو يهودية، فلم أتعجل الرفض. وظللت جالسا إلى جوارها، وقررت تقليل جرعة الأيديولوجية، ومحاصرة الآلام، والتركيز فى وجهها الجميل، وأنا أيضا، بدا لى فجأة أننى صرت جميلا، بينما كنت أتطلع فى مرآة الحمام.

بدأت أتتبع رصانة كلماتها، وأنفض التراب عن كلماتى القديمة، خرجت إليها، ولم أكن أعرف إذا كنت مقدماً على ليلة حرب، أم ليلة حب، عرفت فقط أن لها جسداً قويا كالسنديان، وندياً كسهول الوديان، وأدركت أن ينبوع ابتساماتها هو مكمن غضبها. ولم أكن أعرف وقتها كم يحتاج الغضب من جهد وكد للحفاظ عليه، ورعايته، حتى لا يتلاشى، ولا يُنسى، ولا يكف لحظة عن أداء مهمته فى العالم، مهمة التذكرة، والحيلولة دون النسيان الذى هو آفة حياتنا.

من أجلها قطعت الطريق من القدس إلى تل أبيب فى ليالٍ كثيرة، وهى جاءت من يافا إلى تل أبيب، وقبلها عبرت الحاجز النفسى بين يافا العربية، ويافو العبرية. كانت ترتدى ملابس سوداء دائما، ويلحق بها شعرها الفاحم الطويل. كانت فى الثانية والعشرين من عمرها، وكنت فى الثامنة عشرة، أقطع أولى خطواتى فى دنيا العشق. لم تأخذنى إلى شقتها خوفاً من ابنة خالتها وشريكتها التى تدرس الدكتوراه بجامعة تل أبيب، فقد تخبر أهلهما بوجودى فى حياتها.

كنت أضاجعها فى سيارة أبى، وفى كل ليلة قبل عودتى للبيت كنت أظل داخل السيارة ربع ساعة، أركن فى الشارع، وأضىء النور، لألتقط الشَعْر الذى أمطر المقاعد، وغرس جذوره فى بشرتها، ولا أنتهى قبل أن تدق الساعة الثالثة صباحا.

قلت لها: أنت امرأة أسيرة بين عالمين، تسكبين الغضب السياسى بغزارة فى قصائدك المكتوبة بلغة العدو، ولا تكفّين عن إقامة العلاقات الحميمية مع الكلمات العبرية، وأنت تحاولين إغواءها لتعود إلى أحضان اللغة العربية. ها قد أعدتنى إليك، أيتها المرأة الأيديولوجية التى ترتدى قناع العاشقة.

كانت تتعامل معى وكأننى يهودى غربى لا يعرف شيئا عن الثقافة العربية، وعندما قالت: جميعكم جئتم من بولندا، وألمانيا، ثارت ثائرتى، وقلت: أنا جئت من العراق، أنتم تتعمدون نسياننا دائما، لا تريدون أن تتذكروا أننا عشنا هنا معكم، وأنكم دفعتمونا للخروج من بلادنا، للخروج من بينكم.

ردت علىَّ: أنت أول مَنْ نسى بيت آبائه فى العراق، إذا كنت تريد أن تتذكره فلماذا لا تتعلم، لماذا لا تكون يهودياً يكتب قصائده بالعربية، مثلى أنا عربية تكتب شعرها بالعبرية؟ ثم قالت: أنا فلسطينية تعيش فى إسرائيل، تقريبا مثل يهودية تعيش فى العراق، أعرف لغتين، وكلتاهما لا تعرفاننى. اليهود لا يريدون أن أتحدث العبرية، والعرب يقولون ماذا تفعل فتاة عربية باللغة العبرية.

فى ثانى أمسية بالمقهى تقمّصت دور فتاة بدوية ارتحلت فى الصحراء آلاف السنين قبل أن تخرج من الخيام، وتقصد المدينة وبيوتها الخرسانية الباردة، وشوارعها الأسفلتية الملتهبة.

على الرغم من أنها ولدت فى يافا العبرية، وكل آبائها وأجدادها ولدوا فى يافا العربية. وألقت قصيدتها أمام الجمهور: «أجهزة التكييف عوّدتنى أن أشعر بحرارة لا تحتمل فى الشوارع.. وأن أخشى رائحة عرقى. ووميض المصابيح أورثنى الخوف من انقطاع الكهرباء، والرعب من الظلام، ومن ضوء هزيل تنشره الشموع.

وهكذا مر جيل بعد جيل.. وصارت عزلة الليالى الصحراوية غير آدمية.. وقوافل الجمال باتت مشهدا ينتمى لما قبل التاريخ.. ومن علمنى حياة الترف، والخوف، والانقطاع عن ماضىَّ، وأن أبحث لنفسى عن جسد آخر، وأفكار أخرى، وأن أتطلع فى جدى وجدتى فأرى قبائل بدائية…».

عندما جلست بجانبى بينما يحتضنها تصفيق الجمهور، سألتها: هل أنت على استعداد لكتابة قصيدة كهذه بالعربية؟ هل ستنوحين على أطلال الخيام بالطريقة نفسها هناك؟ قالت إنها اتخذت قرارها، ولن تعود إلى يافا، ستنتقل للإقامة فى تل أبيب.

وأنها لم تعد تنتمى لـ«هناك». اقترحت عليها الإقامة فى القدس، وبدلا من أن تجيب، حكت لى عن أول قصيدة كتبتها، عندما كانت لا تزال تكتب بالعربية. أثناء الاحتفال بالذكرى الأولى لوفاة إسحاق رابين ألقى مدير المدرسة قصيدتها، وصفق لها الجميع. فلن تجد كل يوم فتاة فى الخامسة عشرة تكتب بالعربية الفصحى دون أخطاء نحوية. أنصتت لتصفيق الجمهور فى هذا اليوم، وكان من ضمن الحاضرين وزير فى الحكومة لا تتذكر اسمه، لكنها تتذكر مصافحته لها. ومنذ ذلك اليوم قررت أن تواصل كتابة الشعر، لكن بالعبرية.

بدأت تلقى علىَّ باللغة العربية قصيدة محمود درويش لـ«ريتا»، كانت حريصة على لحن مارسيل خليفة، وكانت تشرح لى الكلمات بالعبرية. وعلى طاولة المقهى كانت تتخيل جلسة درويش وريتا فى المطبخ بين أكواب الشاى الليلية، بينما تمطره ريتا بكلمات الغزل العبرية، وتطالبه بأن يرد عليها باللغة نفسها، وتقبّل شفتيه. ولم أعرف هل كانت تتصور أننى ريتا، وأنها محمود درويش.

استغرقت فى الشرح: «فى فراش الحب كانت ريتا تحكى له عن أمها التى تبكى ضياعها، وتلعن الدنيا، وتلعن الأغيار، والألمان، وتلعن شعبه، وتلعنه. وبعد ذلك تعانق صمته، وتتأمل كيف يدارى وجهه خلف شعيرات خشنة سمراء نابتة فى ذقنه. وأثناء هذا اللقاء الذى جمع بين شاعر فلسطينى وعشيقته اليهودية، سمعتها الحيطان تقول: «شعر ذقنك يؤلمنى كشظايا الخزف المكسور»، ورأتها الحيطان تمسك بوجهه، وتدسه بين ساقيها، تشتهى أن تدرك برَحِمها آلام طفولته، وتفض مكنون أسراره. مرت عدة لحظات، تواصل ريم روايتها، وتقلصت تلك البلاد الصغيرة، واحتشدت داخل غرفة فى منزل صغير يغص بأوهام يومية، ويحاول تجاهل اقتراب موعد تبدل الفصول. وكلما نامت ريتا كان يكتب لها، كان يكتب على إيقاع نبضات قلبها، كان يكتب أبياتاً من قصيدة ملحمية طويلة، سماها بعدما تركها «شتاء ريتا الطويل». وفى تلك الليالى كان يطالب بحقه فى سفر التكوين، وفى سفر أيوب، وفى عيد الحصاد، وفى قصائد الحب القديمة.

وعند منتصف الليل طلب من الصفحة أن تشرح له لماذا حرضت ريتا الإله ضده، لكنه لم يعرض عليها الرحيل معه إلى خارج لعنة حبهما المحاصر، إلى البحر، إلى الصحراء، إلى أراضٍ بعيدة. وفى الصباح كانت ريتا تبتعد عنه، تخشى من أسئلة حراس المدينة، تعود إلى حيها الراقى، وإلى بيتها فى المدينة، وإلى حب أمها الأبدى. تذهب إلى عملها مبكرا حتى لا يتكلم عنها أحد، ولا يسألها أحد: «أين أمضيتِ الليل يا ريتا؟»، «ما سر إرهاقك البادى؟»، «مَنْ عبث بضفيرتك الحمراء؟» وكانت تعود إليه فى المساء، تروّض الخيول الزائفة، وتتذمر من الشتاء الطويل، ومن قراءته المستمرة فى صحف الحرب.

لماذا تطيل القراءة فى عناوين الصحف، سألتنى ريم، وصوّبت نظرتها نحوى، عندما وَقَفَتْ أمامك كيف استطعتَ أن تُنكر اشتياقك إلى عبير البساتين الذى يفوح من تحت إبطيها، إلى أزرار قميصها، إلى وجهها المرمرى المزركش بالنمش المبعثر؟ ولماذا لم تؤمن أنها قد تنصت لحكاياتك. جلستَ فقط على ساقيها، وحاولت أن تنهل من ثدييها كل آلام شعبها؟ هل ظننت أنها فى النهاية قد تنصت إلى قصتك؟

استمرت ريم تحكى لى بالعربية والعبرية كيف استيقظت ريتا ذات صباح متأخرة، وغمرها شعاع نور مكسور تسلل إلى الغرفة عبر القضبان الحديدية التى تحاصر النافذة الضيقة، بعدما قطعت على نفسها وعدا أثناء نومها أن تعود إليه عندما تتغير الأيام وتتبدل الأحلام، ربما بعد انقضاء الشتاء الطويل. أخرجت من حقيبتها مسدسها الصغير، الملفوف فى كيس من النايلون الرقيق، ربما تستخدمه فى الحفاظ عليه من المطر والرطوبة. وضعته على المفرش، على ظهر مسودة مليئة بحروف عربية متصلة تعزف لها قصيدة ملحمية طويلة لم تقرأها أبدا. وعندما ذهبت، نظر هو بهدوء إلى فوهة المسدس المحشو برصاصة واحدة، وفهم أنها ظنت أنه قد يشفق على القصيدة من الحياة، فوقف يلقى القصائد أمام النافذة الخاوية، بينما تسير ريتا وتبتعد فى الشوارع، وتعود إلى بيتها فى الكرمل. كل صفحة قرأها، مزقها، وبدأ يشعر بمنفاه يقترب أكثر وأكثر مع حلول المساء، ورأى ظله فى الشباك ما زال واقفا يلقى عليها كلمات تائهة، كان يستطيع أن يشعر بروحه تكاد تخرج إلى التيه وراء شعبه.

ريم لم تكن ولدت عندئذ، وأخبرتنى أننى لم أكن قد ولدت وقتها، وأنها لم تكتب حتى الآن قصيدتها الملحمية الطويلة لعشيقها اليهودى، ربما أكتب أنا قبلها قصيدتى الملحمية عنها. لقد ذهبت، وتركتنى احتجاجا على عدم رفضى أداء الخدمة العسكرية. وعندما وقفت فى نقطة حراسة بموقع عسكرى على الحدود اللبنانية، عند سفح جبل الشيخ، داهمتنى خيالات شرقية عن فتاة بدوية ترعى أمامى قطيع خراف، ودارت بخلدى الأبيات الأولى من قصيدتى الملحمية عن ريم، وبدأت أكتب.

قصة : ألموج بيهار

ترجمة : محمد عبود

http://www.alquds2009.org/atemplate.php?id=170

هكذا حاربت إسرائيل الثقافة العربية

مانيفستو للأدب اليهودي الشرقي

بيان للأدب الذي يكتبه اليهود الشرقيون في إسرائيل. هذا هو ما كتبه الشاعر الإسرائيلي (العراقي الأصل) ألموج بهار في مقاله بصحيفة معاريف مؤخرا. في مقاله، والذي وصفه عنوان الصحيفة "بالمانيفستو"، يتتبع الشاعر مسيرة الظلم الذي تعرض له الأدب الشرقي في إسرائيل علي يد المؤسسة الرسمية، الغربية غالبا. يتتبع مسيرة التجاهل التي حظت بها اللغة العربية في إسرائيل، وينتقد كون الثقافة الغربية هي ما ظلت تهيمن علي إسرائيل منذ بدايتها وحتي الآن.

مثلا، الأدب الشرقي في إسرائيل لا يتم النظر له إلا باعتباره أدبا ممثلا، ممثلا لجماعة الشرقيين ولوضعهم الاقتصادي والسياسي، أو ممثلا لوضعهم في البلدان التي خرجوا منها، والأمر يعني أن الأدب هنا لا يتم النظر إليه كأدب وإنما كوثيقة اجتماعية، علي عكس ما هو حادث في الكتابة الإشكنازية مثلا، التي يكتبها اليهود الغربيون. يضيف بهار: "يبدو أن موضوع التمثيل أصبح مركزيا لهذا الحد بسبب السياق السياسي الذي يخضع له في الغالب النقد (وليس الأعمال الإبداعية بالضرورة)، وكذلك لكون الاهتمام بالأدب الشرقي، وبالتحديد الأدب الشرقي الذي لا يهرب من هذه التسمية كما يهربون من النار، لازال ضيقا، ولذا فكل كتاب يجنظر إليه وكأنه اكتشاف، وكأنه بداية بلا تاريخ، وكل كتاب مطلوب منه أن يمثل العالم الشرقي كله، وتكون درجة "موثوقيته" هي المعيار الأساسي."
أحد الأسباب لهذا، كما يشرح بهار، هو أنه برغم السيادة النسبية للنقد المكتوب عن الأدب الشرقي في الصحافة اليومية الإسرائيلية، فحتي الآن لم تتم محاولات كافية ومرضية لكتابة تاريخ واسع لهذا الأدب في الأبحاث الشاملة، ويستدرك أن إحدي التجارب الناجحة مؤخرا كانت "العروبة، اليهودية، الصهيونية" لرؤوفين شنير، والذي ركز علي كتابة يهود العراق بالعربية وبالعبرية في القرن العشرين.
في نظر النقد الإسرائيلي، مطلوب من صوت الأديب الشرقي أن يكون علي هذه الشاكلة: "يمارس الاحتجاج العلني، حاد ومهاجم (وفي الغالب يكون مهددا وغير أدبي)، يعيد قراءة النصوص المهيمنة ويؤولها بشكل ثوري، ويظل داخل جيتو "فلكلوري وشعبي"، لا يتحدي "عالمية" الأدب "العام"، وإنما يعمل علي هامشه….. وفي الغالب يتم تقديمه كمن "تطور" من الالتزام بالتقاليد باتجاه الحداثة ومن ضيق الأفق إلي التفتح."

علاقة اليهود الشرقيين ببيئتهم العربية السابقة محل خلاف كبير. يلاحظ بهار مفارقة تتصل بهم، بسامي ميخائيل وبشمعون بلاس علي وجه التحديد، هما القادمين من أصول عراقية: "عندما تتم الكتابة عن شمعون بلاس أو عن سامي ميخائيل بالعبرية، ففي الغالب لا يتم وضعهما في السياق الجيلي لكتابتهم في العالم العربي، وأغلب النقاد المهمين لا يعرفون العربية، علي سبيل المثال، أو اللادينو (لغة يهود أسبانيا)، وربما لا يعرفون حتي أن بلاس وميخائيل بدأوا كتابتهم بالعربية."
"حتي الشعر الشرقي لا يتم ربطه غالبا بتقاليد الكتابة العبرية في العالم العربي، وعندما يجكتب وفق هذه الأوزان ينظر إليه باعتباره قديما ولا يحظي بالنشر، هذا علي سبيل المثال في حالة شعر الحاخام دافيد بوزجلو، كبير شعراء المغرب في القرن العشرين، والذي جاء البلاد في سن متأخرة، وشعر راتسون هاليفي، الذي جاء البلاد من اليمن في شبابه."
ولكن الثقافة الشرقية نجحت في إسرائيل في مجال واحد، هو الموسيقي. يقول بهار أنه: "في مقابل الثقافة الإسرائيلية (المركزية)، والتي كانت إشكنازية في أغلبها مع تضمين تدريجي وجزئي للشرقيين، وجدت في البلاد ثقافة شرقية إسرائيلية، بديلة ومستقلة جزئيا، مواردها محدودة ولكنها بالتدريج أصبحت واسعة الانتشار، كان المجال الواسع بداخلها، والذي حظي بشعبية هائلة وإنجازات فنية مثيرة للإعجاب، هو الموسيقي. جزء من موسيقي ال"كاست" وأفلام ال"بوركس" تم تقبله بأثر رجعي داخل المركز الثقافي، ولكن هذا كان يحدث كثيرا بواسطة معالجة موسيقية جديدة و"رخوة"، أو بدرجة من الاستهزاء، ومن التقبل مع ابتسامة ساخرة."

اليهود الشرقيون هم الأكثر فقرا وجهلا، وإقصاء من المشهد الإسرائيلي العام، وهذا يلقي بظلاله علي الأدب الشرقي الذي يجطلب منه أن يكون علي الدوام أدب "معبرة"، وهي المؤسسة الإسرائيلية التي كان يتم فيها تأهيل اليهود القادمين من بلدان عربية حتي يتكيفوا مع المجتمع الإسرائيلي الغربي. يقول بهار: "بسبب حقيقة أن أزمة الهجرة الشرقية كان أزمة اقتصادية أيضا، فلقد أصبح الاحتجاج جانبا مركزيا من هذا الأدب، مما جعل باحثي الأدب مستعدين لوصف الأدب الشرقي كله باعتباره "أدب معابر"، أي اعتباره أدبا طبقيا أساسية هو معاداة التوجه النخبوي، وليس محاولة لبناء نخبة بديلة، أدبا تشكل المعبرة فيه نقطة صفر تمحو الزمن السابق لها واللاحق عليها."
"هذه الأزمة، التي كانت مركزية بالنسبة للجيلين الأوليين للهجرة، لم تختف في الجيل الشرقي الثالث، الذي بدأ نشاطه في الأدب العبرية في العقد الأخير، وهذا بسبب استمرار "التهميش" الاقتصادي والجغرافي لجزء كبير من الشرقيين، ولكونه لم يتم خلق هوية إسرائيلية شاملة، تتضمن بداخلها مكان واسع لكل من الشرق و الغرب، بعوالمهما اليهودية وغير اليهودية."

في فقرة هامة للغاية، يتحدث بهار في "المانيفستو" عن دور المنظمة التعليمية في تهميش الثقافة العربية لليهود الشرقيين. يقول: "حاولت المنظومة التعليمية الإسرائيلية، بل ونجحت بشكل مثير للإعجاب، في أن تربي جيلا لا يعرف أدب آبائه، المكتوب باللادينو والييديش والعربية، والفارسية واللغات الأخري. المنظومة الرسمية العلمانية نجحت أيضا في فصل أغلب خريجيها عن الأدب اليهودي الذي تلا العهد القديم وسبق شعر بياليك، وعن الأشكال الأدبية العبرية التي كانت شائعة في العالم العربية، وبدلا من هذا فلقد أهدتهم اللغة الإنجليزية."
"وأمام تقليص التاريخ اليهودي الثري ليصبح أحادي البعد وأحادي اللغة، وأمام غرقه في البحر الأمريكي، يبدو أنه ثار في السنوات الأخيرة قلق من فقدان الكنوز الروحية المهولة، ولوحظت عودة بعض أبناء الجيل الثالث إلي الثراء الثقافي اليهودي الماضي، وإلي لغات الماضي، وبهذا أصبح التوجه إلي العربية وإلي لغة اللادينو مقابلا للعودة إلي الييديش.

مثلا، الأدب الشرقي في إسرائيل لا يتم النظر له إلا باعتباره أدبا ممثلا، ممثلا لجماعة الشرقيين ولوضعهم الاقتصادي والسياسي، أو ممثلا لوضعهم في البلدان التي خرجوا منها، والأمر يعني أن الأدب هنا لا يتم النظر إليه كأدب وإنما كوثيقة اجتماعية، علي عكس ما هو حادث في الكتابة الإشكنازية مثلا، التي يكتبها اليهود الغربيون. يضيف بهار: "يبدو أن موضوع التمثيل أصبح مركزيا لهذا الحد بسبب السياق السياسي الذي يخضع له في الغالب النقد (وليس الأعمال الإبداعية بالضرورة)، وكذلك لكون الاهتمام بالأدب الشرقي، وبالتحديد الأدب الشرقي الذي لا يهرب من هذه التسمية كما يهربون من النار، لازال ضيقا، ولذا فكل كتاب يجنظر إليه وكأنه اكتشاف، وكأنه بداية بلا تاريخ، وكل كتاب مطلوب منه أن يمثل العالم الشرقي كله، وتكون درجة "موثوقيته" هي المعيار الأساسي."
أحد الأسباب لهذا، كما يشرح بهار، هو أنه برغم السيادة النسبية للنقد المكتوب عن الأدب الشرقي في الصحافة اليومية الإسرائيلية، فحتي الآن لم تتم محاولات كافية ومرضية لكتابة تاريخ واسع لهذا الأدب في الأبحاث الشاملة، ويستدرك أن إحدي التجارب الناجحة مؤخرا كانت "العروبة، اليهودية، الصهيونية" لرؤوفين شنير، والذي ركز علي كتابة يهود العراق بالعربية وبالعبرية في القرن العشرين.
في نظر النقد الإسرائيلي، مطلوب من صوت الأديب الشرقي أن يكون علي هذه الشاكلة: "يمارس الاحتجاج العلني، حاد ومهاجم (وفي الغالب يكون مهددا وغير أدبي)، يعيد قراءة النصوص المهيمنة ويؤولها بشكل ثوري، ويظل داخل جيتو "فلكلوري وشعبي"، لا يتحدي "عالمية" الأدب "العام"، وإنما يعمل علي هامشه….. وفي الغالب يتم تقديمه كمن "تطور" من الالتزام بالتقاليد باتجاه الحداثة ومن ضيق الأفق إلي التفتح."

علاقة اليهود الشرقيين ببيئتهم العربية السابقة محل خلاف كبير. يلاحظ بهار مفارقة تتصل بهم، بسامي ميخائيل وبشمعون بلاس علي وجه التحديد، هما القادمين من أصول عراقية: "عندما تتم الكتابة عن شمعون بلاس أو عن سامي ميخائيل بالعبرية، ففي الغالب لا يتم وضعهما في السياق الجيلي لكتابتهم في العالم العربي، وأغلب النقاد المهمين لا يعرفون العربية، علي سبيل المثال، أو اللادينو (لغة يهود أسبانيا)، وربما لا يعرفون حتي أن بلاس وميخائيل بدأوا كتابتهم بالعربية."
"حتي الشعر الشرقي لا يتم ربطه غالبا بتقاليد الكتابة العبرية في العالم العربي، وعندما يجكتب وفق هذه الأوزان ينظر إليه باعتباره قديما ولا يحظي بالنشر، هذا علي سبيل المثال في حالة شعر الحاخام دافيد بوزجلو، كبير شعراء المغرب في القرن العشرين، والذي جاء البلاد في سن متأخرة، وشعر راتسون هاليفي، الذي جاء البلاد من اليمن في شبابه."
ولكن الثقافة الشرقية نجحت في إسرائيل في مجال واحد، هو الموسيقي. يقول بهار أنه: "في مقابل الثقافة الإسرائيلية (المركزية)، والتي كانت إشكنازية في أغلبها مع تضمين تدريجي وجزئي للشرقيين، وجدت في البلاد ثقافة شرقية إسرائيلية، بديلة ومستقلة جزئيا، مواردها محدودة ولكنها بالتدريج أصبحت واسعة الانتشار، كان المجال الواسع بداخلها، والذي حظي بشعبية هائلة وإنجازات فنية مثيرة للإعجاب، هو الموسيقي. جزء من موسيقي ال"كاست" وأفلام ال"بوركس" تم تقبله بأثر رجعي داخل المركز الثقافي، ولكن هذا كان يحدث كثيرا بواسطة معالجة موسيقية جديدة و"رخوة"، أو بدرجة من الاستهزاء، ومن التقبل مع ابتسامة ساخرة."

اليهود الشرقيون هم الأكثر فقرا وجهلا، وإقصاء من المشهد الإسرائيلي العام، وهذا يلقي بظلاله علي الأدب الشرقي الذي يجطلب منه أن يكون علي الدوام أدب "معبرة"، وهي المؤسسة الإسرائيلية التي كان يتم فيها تأهيل اليهود القادمين من بلدان عربية حتي يتكيفوا مع المجتمع الإسرائيلي الغربي. يقول بهار: "بسبب حقيقة أن أزمة الهجرة الشرقية كان أزمة اقتصادية أيضا، فلقد أصبح الاحتجاج جانبا مركزيا من هذا الأدب، مما جعل باحثي الأدب مستعدين لوصف الأدب الشرقي كله باعتباره "أدب معابر"، أي اعتباره أدبا طبقيا أساسية هو معاداة التوجه النخبوي، وليس محاولة لبناء نخبة بديلة، أدبا تشكل المعبرة فيه نقطة صفر تمحو الزمن السابق لها واللاحق عليها."
"هذه الأزمة، التي كانت مركزية بالنسبة للجيلين الأوليين للهجرة، لم تختف في الجيل الشرقي الثالث، الذي بدأ نشاطه في الأدب العبرية في العقد الأخير، وهذا بسبب استمرار "التهميش" الاقتصادي والجغرافي لجزء كبير من الشرقيين، ولكونه لم يتم خلق هوية إسرائيلية شاملة، تتضمن بداخلها مكان واسع لكل من الشرق و الغرب، بعوالمهما اليهودية وغير اليهودية."

في فقرة هامة للغاية، يتحدث بهار في "المانيفستو" عن دور المنظمة التعليمية في تهميش الثقافة العربية لليهود الشرقيين. يقول: "حاولت المنظومة التعليمية الإسرائيلية، بل ونجحت بشكل مثير للإعجاب، في أن تربي جيلا لا يعرف أدب آبائه، المكتوب باللادينو والييديش والعربية، والفارسية واللغات الأخري. المنظومة الرسمية العلمانية نجحت أيضا في فصل أغلب خريجيها عن الأدب اليهودي الذي تلا العهد القديم وسبق شعر بياليك، وعن الأشكال الأدبية العبرية التي كانت شائعة في العالم العربية، وبدلا من هذا فلقد أهدتهم اللغة الإنجليزية."
"وأمام تقليص التاريخ اليهودي الثري ليصبح أحادي البعد وأحادي اللغة، وأمام غرقه في البحر الأمريكي، يبدو أنه ثار في السنوات الأخيرة قلق من فقدان الكنوز الروحية المهولة، ولوحظت عودة بعض أبناء الجيل الثالث إلي الثراء الثقافي اليهودي الماضي، وإلي لغات الماضي، وبهذا أصبح التوجه إلي العربية وإلي لغة اللادينو مقابلا للعودة إلي الييديش.

نائل الطوخي أخبار الأدب 28/9/2008

http://hkzathdthcohen.blogspot.com/2010/05/blog-post_21.html

بين نزار قباني وألموج بيهار  /  نائل الطوخي

ألموج بيهار

ترجمة: نائل الطوخي

يعمل الشاعر الإسرائيلي – من أصل عراقي – ألموج بيهار على مشروع شعري كامل يترجم فيه بعضاً من قصائد نزار قباني إلى العبرية، ترجمته ليست حرفية تماماً، أو أنها ليست حرفية أبداً. يستغل هذه العملية ليكتب قصيدته هو، المتأثرة بقباني والتي تستمد طاقتها من شعره. بعض القصائد منشورة في العدد الثامن عشر من مجلة "هاكيفون مزراح" (الاتجاه شرقاً). وكتب بهار في تقديمه لها قائلا:

"ملحقة هنا خمسة ترجمات/ معالجات لقصائد نزار قباني (1923-1998)، المولود في دمشق، من كتابه "مئة رسالة حب"، بيروت 1972. هذه القصائد هي جزء من مشروع أكثر اتساعا من الترجمة/ المعالجة التي قمت بها على مختارات من قصائد هذا الديوان. في طريق الترجمة – المعالجة أسير في أعقاب بعض ترجمات العصر الوسيط من العربية إلى العبرية، وعلى رأسها، الحريزي الأسباني الذي ألف "كراسات إيتيئيل" أمام مقامات الحريري العراققي، وكذلك ترجمة مغامرات "الراهب وابن الملك" لأفراهام بن حسداي. الترجمة التي قمت بها هذه هي في حالات قليلة حرفية تماما، "ترجمة" فعلا، وفي حالات قليلة أخرى فهي لا تتصل بقصائد نزار قباني، الذي أستخدمه كاسم شهير فقط أكتب قصائد لولاه لما كنت لأكتبها، في سائر الحالات فالمعالجة هي بين بين، ذات صلة واضحة بقصائده، وكذلك مع انحرافات واضحة."

ننشر هنا بعض القصائد ملحقة بأصلها القباني:

نزار قباني:

ألموج بيهار:

كلما رأيتك..

أيأس من قصائدي.

إنني لا أيأس من قصائدي

إلا حين أكون معك..

جميلة أنت.. إلى درجة أنني

حين أفكر بروعتك.. ألهث..

تلهث لغتي..

وتلهث مفرداتي..

خلصيني من هذا الإشكال

كوني أقل جمالاً..

حتى أسترد شاعريتي

كووني امرأة عادية..

تتكحل.. وتتعطر.. وتحمل.. وتلد

كوني امرأة مثل كل النساء..

حتى أتصالح مع لغتي..

أيأس من احتمال كتابة قصيدة

عندما أفكر في جمالك..

كيف تقدر الكلمات على أن تصف منخارك

ورقبتك وأنفاسي محبوسة

وشفتاي ترتعشان وكل كلماتي خرساء.

أيأس من احتمال كتابة قصيدة

عندما أفكر في الطريقة التي تتكلمين بها

في الطريقة التي تفكرين وتمشين بها

لو تنازلتِ عن نبالتك ستنقذينني

من السكوت. إن أصبحت امرأة تتزين

وترش على رقبتها عطراً وتلد

من رحمها سأقدر أن أكتب عنك شعراً

ولكن إن لم أيأس من احتمال كتابة قصيدة

لن يكون بي هذا الدافع الذي يدفعني

لأحاول مع كل هذا أن أكتب لك قصيدة

لكي أكون جديرا بأن أزين

رقبتك وصدرك ويديك

واسمك

الذي أخاف من ذكره

نزار قباني:

إنتهتْ معكِ..

مملكةُ شؤوني الصغيرة.

لم يعد لديَّ أشياء أملكها وحدي.

لم يعد عندي زهورٌ أنسّقها وحدي.

لم يعد عندي كُتُبٌ

أقرؤها وحدي..

أنتِ تتدخّلين بين عيني وبين وَرَقتي.

بين فمي ، وبين صوتي.

بين رأسي ، وبين مخدَّتي.

بين أصابعي ، وبين لُفافتي.

 

ألموج بيهار:

مملكة الشئون الصغيرة التي حكمتها

بمتعة بالغة انهارت عندما جئتِ.

لم يعد لديَ أشياء أملكها وحدي،

لم أعد أنسق الزهور وحدي،

لم أعد أقرأ الكتب وحدي.

لم أعد أقرر ما أشتريه

وما أبيعه وحدي.

أنت جئت بين عيني وبين الأوراق،

بين فمي، وبين صوتي،

بين رأسي، وبين المخدات،

بين أصابعي وبين اللفافة،

بين بداية القصيدة وبين منتهاها.

نزار قباني:

طبعاً..

أنا لا أشكو من سُكْناكِ فيّْ..

ومن تدخّلك في حركة يدي..

وحركة جفني.. وحركة أفكاري

فحقولُ القمح لا تشكو من وفرة سنابلها

وأشجارُ التين لا تضيق بعصافيرها

والكؤوس لا تضيق بسكنى النبيذ الأحمر فيها.

كلُّ ما أطلبه منكِ يا سيّدتي

أن لا تتحرّكي في داخل قلبي كثيراً..

حتى لا أتوجّع..

ألموج بيهار:

طبعاً، أنا لا أشكو من سكناك فيّ

ومن تدخلك في حركة يدي،

وحركة عيني، وحركة أفكاري،

كما شجرة التين لا تشكو حينما تضيف

على غصونها عصافير كثيرة، كما الكأس

لا تشكو عندما يُصب فيها نبيذ كثير

كما هذه القصيدة لا تشكو عندما تتطفل عليها

أعين كثيرة جداً، أو

أعين قليلة جداً

نزار قباني:

إنزعي الخنجر المدفون في خاصرتي

واتركيني أعيش ..

إنزعي رائحتك من مسامات جلدي

واتركيني أعيش ..

إمنحيني الفرصة ..

لأتعرف على امرأة جديدة

تشطب اسمك من مفكرتي

وتقطع خصلات شعرك

الملتفة حول عنقي ..

إمنحيني الفرصة ..

لأبحث عن طرق لم أمش عليها معك .

ومقاعد لم أجلس عليها معك ..

ومقاه لا تعرفك كراسيها ..

وأمكنة ..

لا تذكرك ذاكرتها .

إمنحيني الفرصة ..

لأبحث عن عناوين النساء اللواتي

تركتهن من أجلك ..

وقتلتهن من أجلك

فأنا أريد أن أعيش ..

 

ألموج بيهار:

انزعي الخنجر المدفون في خاصرتي

واتركيني أعيش..

انزعي رائحتك التي دفنتيها في جلدي

واتركيني أعيش..

امنحيني الفرصة..

لألتقي امرأة جديدة…

كي تشطب اسمك من مفكرتي

وتقطع ضفائرك

التي تخنق رقبتي…

امنحيني الفرصة

لأبحث عن طرق لم أمش عليها معك

ومقاعد لم أجلس عليها معك…

وأمكنة لا تذكرك

امنحيني الفرصة

لأبحث عن عناوين النساء اللواتي

تركتهن من أجلك..

وقتلتهن من أجلك

كي أستطيع الحياة من جديد.

امنحيني الفرصة

لأن أكتب قصائد جديدة

لنساء جديدات

فكم قصيدة سأستطيع الاستمرار في كتابتها

لك؟…

ولد ألموج بيهار في نتانيا عام 1978. أعد الماجستير في الفلسفة بالجامعة العبرية بالقدس والدكتوراه

في الأدب العربية، يقيم حالياً في القدس. حاز عام 2005 على المركز الأول بمسابقة القصة القصيرة لصحيفة هاآرتس عن قصته "أنا من اليهود" (العنوان مكتوب باللغة العربية، وقد ترجمت القصة إلى العربية على يد محمد عبود، وبعد فوز القصة استطاع نشر عدد من القصص والقصائد في جرائد ومجلات مثل "هاليكون"، "عيتون 77"، "هاكيفون مزراح"،.

أصدر ديوانه الأول "ظمأ الآبار" عام 2008، "وبعدها أصدر مجموعته القصصية "أنا من اليهود" في نفس العام، وديوانه الثاني "خيط يتدلى من اللسان" عام 2009.وقد نشر مقالة في كتاب "أصداء الهوية، الجيل الثالث يكتب باللغة الشرقية"، عام 2007.

يمكن قراءة قصيدة له هنا، ومقال له يحلل فيه الأدب ذو الجذور الشرقية/ العربية في إسرائيل.

وفق كلمات لجنة التحكيم بجائزة رئيس الحكومة باسم ليفي إشكول للأدباء العبريين (يجئال شفارتس، روت ألموج وليئا إيني" عام 2010، فإن: "ألموج بهار شاعر وأديب شاب شجاع ومثير للاهتمام، منذ بداية طريقه برز صوته الأصيل والواعد في الأدب العبري. يكسر في إبداعه المسلمات اللغوية، ينفض عنها الأحكام الاجتماعية والسياسية، يشحذ طيف الهويات الإسرائيلية، بلغاتها الممحوة، ويعيد لنا قيمتها واحترامها. "

كذبة العمال الأجانب  /  نائل الطوخي

http://hkzathdthcohen.blogspot.com/2010/10/blog-post_28.html

يقدم هنا الشاعر الإسرائيلي ألموج بيهَر تحليلاً اقتصادياً، سياسياً وخطابياً، لأزمة "طرد العمال الأجانب" المشتعلة الآن في إسرائيل. المقال مهم للغاية، سواء للمنتمين إلى اليمين أو لليسار أو اليسار الناقد لليسار وغيرهم، كما يلقي الضوء على واحدة من أهم القضايا التي تشغل الرأي العام الإسرائيلي الآن. لذا فلقد تم نشره في المدونة ، التي يفترض ألا تهتم إلا بما هو أدبي، على الرغم من طبيعته الاقتصادية. المقال منشور في هاآرتس تحت عنوان "كذبة العمال الأجانب".

 

كذبة العمال الأجانبألموج بيهَر

ترجمة: نائل الطوخي

 

في النقاش الذي دار بالأشهر الأخيرة حول طرد أبناء مهاجري العمل المختلطين ثمة كذبتان: في اليمين يتم نشر الكذبة التي تتحدث عن معضلة قومية، أما اليسار فيستخدم الادعاء الكاذب بأن الحديث هو عن معضلة أخلاقية أو تتعلق بالصورة. المعضلة الأساسية، الاقتصادية، تختبئ في الملاحق الاقتصادية. من المريح للطرفين أن يتمترسا خلف مواقف معدة مسبقاً، وأن يخفيا الحقيقة من خلف تناطح متبادل، ويجعلاننا نفكر أنه أخيراً يتصارع موقفان مميزان وأيديولوجيان.

دخول مهاجري العمل إلى إسرائيل كان مرتبطاً بعمليتين: الأولى، انفصال الاقتصاد الإسرائيلي عن العمال الفلسطينيين واستبدالهم بعمال أجانب، يُتوقع ألا يثيروا مشاكل (وألا تكون لديهم مطالبات إقليمية). والثانية هي انضمام إسرائيل للاقتصاد الدولي النيوليبرالي (العولمة).

أتاح دخول مهاجري العمل خفْض أجر العمل في إسرائيل وخلق طبقة عمال المقاولات، أتاحوا بدورهم المرونة الإدارية التي تتوق إليها في الاقتصاد الرأسمالي القوى الاقتصادية الكبرى، ومن بينها الحكومة، التي تتيح لهم أن يقوموا بالتعيين في لحظة وبالرفت في أخرى، أن يجلبوا عمالاً وأن يطردوهم، دون الانشغال بأشياء مقززة مثل منظمات العمال، اتفاقات كيبوتسية، تأمينات أو معاشات. في الطريق تم تدمير نقابات العمال وخلق طبقة واسعة من العمال الإسرائيليين الفقراء.

دخول مهاجري العمل شد بالفعل من أزر الاقتصاد الإسرائيلي، فاستغلال العمالة الرخيصة يقوى دائماً الأغنياء على الجانب الذي يقوم بالاستغلال: تم بناء الكثير من البيوت وشق الكثير من الطرق وجني الكثير من الثمار وحظى عجائز كثيرون بالعلاج. حدث نمو كبير دفعنا ثمنه رخيصاً وبالقليل جداً من العرق الإسرائيلي. هكذا تدار اليوم غالبية أمور العالم الأول أمام العالم الثالث، وهكذا في الواقع فلقد انضمت إسرائيل إلى العالم الأول، قبل انضمامها الرسمي للـ OECD بكثير. وأصبح ممكناً الجلوس في مقهى بتل أبيب والشعور كأنك في نيويورك، بينما غاسل الصحون يتلقى أجراً مشابهاً لأجر نظيره في نيودلهي.

ما أنكره اليمين أثناء انضمام إسرائيل للعالم الأول وللاقتصاد النيوليبرالي كان أن الحديث هو عن اقتصاد دولي، بل وما بعد وطني. العالم ما بعد الاستعماري يتميز، من بين ما يتميز به، بأمواج هجرة من العالم الثالث إلى الأول، تتيح قوة عمل رخيصة للدول المهتمة بالوصول إلى التوازن بين حياة ثرية بالمنتجات والخدمات الرخيصة.

تم من البداية في إسرائيل إنكار عنصر الهجرة في العملية الجديدة، ولذا تم تبني اسم "العمال الأجانب" بدلاً من اسم "مهاجري العمل". كان التوقع هو أن يظل هؤلاء أجانب طالما هم عمال، وعندما يتم استنزاف عملهم يتم إرسالهم رجوعاً لبلدانهم. ولكن الحقيقة هي أن غالبية عملية الهجرة لا يمكنها أن تدار بإحكام كهذا، ولا يفرق مقدار صلابة شرطيي وحدة عوز أو وزير الداخلية. بعض من المهاجرين يتزوجون في المكان الجديد، يلدون أطفالاً و"يتم استيعابهم".

يتجاهل اليمين الواقع الذي يخلق فيه تناقض بين اليمين القومي واليمين الاقتصادي، ويتبنى سياسة منافقة تعتمد على الباب الدوار – طرد العمال من جانب والإتيان بآخرين من جانب آخر، من خلال إثراء الشركات التي تقوم بالوساطة. هذا اليمين لا يريد التنازل عن الثمار الاقتصادية التي يأتي بها إليه مهاجرو العمل، وولاؤه الظاهري للعرق النقي يثبته في عملية الطرد الدعائية، والتي لن تغير في الواقع التأثيرات بعيدة المدى لموجة الهجرة المتواصلة.

غالبية أحزاب اليسار، على الناحية المقابلة، لا تقدم بديلاً فعلياً للواقع الاقتصادي الجديد للعمل الأجنبي. هو يسار لم يدر منذ وقت طويل أي صراع من أجل جمهور العمال المسحوقين في إسرائيل، باستثناء دعوات متقطعة على غرار "الرأسمالية الخنزيرية". هو يدعم في الواقع أيضاً التطور الذي أتى به مهاجرو العمل. هذا يسار بعد أن تخلى عن فقرائه، مواطني إسرائيل، لا يمكنه بالتأكيد أن يرى أن في هذه المرحلة التي يقع فيها الاقتصاد متعدد الجنسيات، مسئولية ما من العالم الأول تجاه العالم الثالث، تنبع من حقيقة استغلاله.

كل ما تبقى لهذا اليسار أن يفعله من أجل استبعاد الحاجة للتعامل مع المعضلة الاقتصادية الحقيقية، هو الخروج في صراع متحمس من أجل أطفال العمال الأجانب، وهو صراع يمنحه الصورة الجميلة والليبرالية التي يهتم بها. برغم أن هذا الصراع هو صراع عادل، فهو يشكل مهرباً من معضلات اقتصادية تقع في العمق وتخلق الوضع القائم، ويشكل مهرباً من طرح بديل اقتصادي لعمليتي الاضطهاد المتوازيتين- المقلوبتين والمعلقة إحداها بالأخرى – اضطهاد الفقراء "الداخليين" واضطهاد فقراء العالم الثالث. مرة ثانية سوف يتم رسم صورة اليسار بوصفه أخلاقياً و مرهف الروح، ومثلما في معضلات الاحتلال، سيفضل أغلب الجمهور الكذبة القومية عن الكذبة الأخلاقية، بدون الانتباه إلى أن الحقيقة الاقتصادية أيضاً مغروسة فيها.

اتفاقات يتم عقدها بين نقابة العمل وبين مكاتب عمل وتنشغل بقبول شخص للعمل أو رفته منه، ظروف العمل، حقوق وواجبات المنظمات الموقعة على الاتفاق.

الوحدة التنفيذية في وزارة السكان، الهجرة، وعبور الحدود في إسرائيل.

عودة الروح: روحٌ جديدة 2011

http://arabjews.wordpress.com/2011/04/17/%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%AD-%D8%B1%D9%88%D8%AD%D9%8C-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-2011/

رسالة بنات وأبناء الجاليات اليهودية-العربية والإسلامية في إسرائيل إلى بنات وأبناء جيلنا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا:

نحن حفيدات وأحفاد الجاليات اليهودية في العالم العربي والإسلامي، في المشرق والمغرب، وكجيل ثالث من المشارقة في إسرائيل، نتابع بتًأًثرٍ كبير وبشغفٍ شديد الدور المركزي والشجاع الذي تتبوأه نساء ورجال أبناء جيلنا في أرجاء العالم العربي في الثورة والتظاهرات من أجل الحرية والتغيير. كما نشعر بالتضامن والأمل في مستقبل الثورات الناجحة في كلٍّ من مصر وتونس، نشعر بالألم والقلق الشديديْن لفقدان الأرواح الغالية وسفك دماء الشعوب الزكية في كلٍّ من ليبيا والبحرين واليمن وسورية، وغيرهم من شهداء الحرية في أماكن أخرى.

إنّ صرخة أبناء جيلنا في وجه الاضطهاد ووجه الأنظمة المستعبدة المستغلة المستبدة، ودعوتها إلى التغيير وللحرية وبناء أنظمة حكمٍ ديمقراطية، تكفل مشاركة المواطنين في الحياة السياسية، وتمثل في نظرنا لحظةً مثيرة وحاسمة في تاريخ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذه المنطقة التي تمزقت منذ أجيال نتيجة التّجاذبات والصّراعات التي جرت بين قوى خارجية وداخلية مختلفة والتي سحقت الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية لغالبية مواطني هذه المنطقة.

نحن إسرائيليون وأحفادُ وذريةٌ ليهود عاشوا منذ مئات بل آلاف السنين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث ساهم آبائنا وأمهاتنا في تطوير ثقافة المنطقة، وكانوا جزءًا لا يتجزّأ منها. هذا هو الحال بالنسبة لنا نحن أيضًا؛ فالثقافة العربية الإسلامية والشعور بالانتماء المتجذّر في نفوسنا، هما جزء لا يتجزأ من هويتنا ونظرتنا لذاتنا. نحن نحسّ بانتماء عميق للموروث الديني والثقافي واللغوي التابع للفضاء والواقع الشرق أوسطي والشمال أفريقي، على الرغم من أننا قد “نُسينا” أو تم التناسي بأننا تابعون لهذا التاريخ وهذا المجال: بدايةً من طرف إسرائيل، والتي تتخيل نفسها بأنها واقعة بين قارة أوروبا وأميركا الشمالية؛ وثانياً من طرف العالم العربي، الذي وكما يبدو لنا قد قبل في العديد من المناسبات بهذا الانشطار وهذا التضادّ بين العربي واليهودي وسلم بتخيل اليهودي على أنه غربي أو أوروبي، وآثر تناسي -أو قل دفع- التاريخ اليهودي-العربي جانباً، باعتباره جزءًا ثانويًا بالنسبة له، أو كأنه لم يكن أصلاً جزءاً من تاريخه.

ثالثاً يجب الاعتراف أيضًا بوجود خجل بهذا الموروث المشترك مع الشعوب العربية، في داخل الجاليات الشرقية ذاتها، نتيجة للاستعمار الغربيّ والحراك القومي اليهودي والعربي. وعليه فقد حاولت هذه الجاليات في العديد من المرات الاندماج والالتصاق بالتيارات الأقوى في المجتمع، مع محاولة محو أو تحجيم وتصغير ماضينا. لقد كانت هذه الثقافة وهذا التبادل الثقافي الضخم بين اليهودية والعربية ضحية محاولاتٍ عنيفة لمحوها وطمس معالمها في الأجيال الأخيرة، لكن يمكننا أيضاً أن نشاهد ثباتها واستمراريتها في مجالات ودوائر حياتية وثقافية مختلفة كالموسيقى والتعبد واللغة والأدب، وغيرها.

نريد أن نعبر أمامكم عن تعاطفنا وآمالنا من هذه المرحلة التي يتم فيها انتقال زمام الأمور من جيل إلى جيل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما نأمل أن يكون هذا الانتقال مدخلاً للحرية والعدالة، والتقاسم العادل لمقدرات الأمة والمنطقة بين جميع المواطنين، بما يكفل العدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي والمواطنة الكريمة لشعوب المنطقة الكرام.

كما نتوجه إلى بنات وأبناء جيلنا وأقراننا في العالم العربي والإسلامي آملين بفتح حوار يتيح لنا المجال بأن نكون جزءاً من التاريخ والثقافة في هذه المنطقة.

لقد تابعنا بغيره وانبهار الصور القادمة من تونس ومن ميدان التحرير، وأُعجبنا بالمقدرة على تنظيم معارضة شعبية سلمية استطاعت أن تدفع بمئات الألوف إلى الشوارع والميادين، تلك الجموع التي استطاعت في نهاية المطاف إجبار الحكام على التنحي جانباً والاستقالة. نحن أيضاً نعيش تحت واقع حكمٍ لنظام يقدّم للعالم صورة ديمقراطية ومستنيرة عن نفسه، إلا أنّ هذه الصورة وهذا النظام لا يمثلان شرائح واسعة من المجتمع واقعة تحت سلطته في المناطق المحتلة وداخل الخط الأخضر. فهو يسحق الحقوق الاقتصادية لغالبية المواطنين، وهو مستمرّ في محاولاته تضييق هامش الحرّيات والديمقراطية وبناء جدران عنصرية أمام الثقافة الشرقية العربية واليهودية. لكننا نختلف عن مواطني تونس ومصر ما زلنا غير قادرين على خلق تكافل اجتماعيّ وسياسيّ بين الفئات المجتمعية المختلفة، يُوحّد الصفوف ويعطينا المقدرة على الخطوّ قدماً بكلّ فئات المجتمع إلى الميادين، والمطالبة بنظام مدنيّ يكفل الحرية والعدالة الاجتماعية والثقافية.

نحن نؤمن بأنّ نضالنا كشرقيين داخل إسرائيل لتحصيل حقوقنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مبنيّ على فهمنا بأنّ التغيير السياسيّ لا يمكن له أن يعتمد على القوى العظمى من الغرب والتي لطالما استغلت منطقتنا وشعوبنا منذ أجيال عديدة. على التغيير أن يكون نتاجاً للحوار الداخلي في المنطقة، عبر التضامن والانضمام إلى النضالات المختلفة الجارية اليوم في البلدان العربية، وعلى وجه الخصوص نضال الفلسطينيين داخل إسرائيل لحقوقهم السياسية والاقتصادية والمساواة داخل إسرائيل، ووقف المدّ العنصري ضدّهم، إلى جانب نضال الفلسطينيين في غزة والضفة، الذين يعيشون تحت نير الاحتلال العسكري ودعم مطالبهم العادلة لإنهاء الاحتلال والاستقلال.

لقد سبق ودعونا في رسالتنا الأخيرة (http://arab-jew.blogspot.com/)، وبعد خطاب أوباما في القاهرة عام 2009، إلى بزوغ الهوية الشرق أوسطيه الديمقراطية ولمشاركتنا داخلها. أما الآن فنحن نأمل بأن يكون جيلنا -في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي واليهودي- جيل جسور حوار متجددة، يستطيع التعالي عن أسوار العداء بين الأجيال السابقة، مُجدِّداً بذلك الحوار العميق الذي لا نستطيع أن نفهم ذاتنا من دونه. حوار بين اليهود والسنة والشيعة والمسيحيين؛ بين العرب والأكراد والبربر؛ بين الأتراك والإيرانيين؛ بين الشرقيين والأشكناز؛ بين الفلسطينيين والإسرائيليين. نحن على ثقة بأننا كأصحاب ماضٍ وموروثٍ مشتركينْ ننظر أيضًا إلى المستقبل بتعاطف وآمال عريضة. نحن نؤمن بالحوار الداخلي في منطقتنا، والذي يهدف إلى الإصلاح وبناء ما قد هُدم في الأجيال السابقة، كمفتاح لإعادة النموذج الإسلامي-اليهودي-المسيحي المشترك في الأندلس، وكمدخل بعون الله وبالتوفيق منه إلى عصرٍ ذهبي آخر لثقافتنا وتاريخنا وحاضرنا المشترك يكون أهلا ومفخرةً لثقافتنا وماضينا العريق إنشاء الله.

هذا العصر الذهبي لا يمكن أن يحصل من دون تجذر المواطنة الحقّ والديمقراطية بما تعنيه من التداول السلمي للسلطة وسيادة دولة القانون وضمان الحريات واحترام الأقليات والعدالة الاجتماعية والمحاصصة العادلة لثروات ومقدرات الدول بين أفراد شعبها، وتساوي الفرص في التعليم ومساواة النساء بالرجال وقبول الناس أجمع على اختلاف معتقداتهم وألوان بشراتهم ووضعهم الاجتماعي وموروثهم الثقافي وجنسهم وميولهم الجنسية وطوائفهم وأعراقهم ولغاتهم، كجزء لا يتجزأ من مساعينا لبناء هذا المجتمع الجديد الذي نصبو له جميعاً.

نحن ملتزمون بمساعينا في تحقيق أهدافنا هذه، وفي استمرار الحوار الدائم بين كل مواطني المنطقة، وبحوارنا أيضاً مع فئات ومجموعات يهودية أخرى في البلاد وخارجها.

(http://arabjews.wordpress.com)

الموقعون:

شبا سلهوب (ليبيا)، موئيز بين هراش (من مواليد المغرب)، نعمه جرشي (اليمن، صربيا)، ألموج بيهار (العراق، تركيا، ألمانيا)، يعيل بين يفيت (العراق،عدن)، أهرونشيم طوب (كردستان إيران، العراق)، يعيل برداه (تونس)، يوسي أوحانه (منمواليد المغرب)، يالي هشش (اليمن، ليبيا)، يونيت نعمان (اليمن، تركيا)،أورلي نوي (من مواليد ايران)، ماتي شموئيلوف (سوريا، العراق، إيران)،أليعانه ألموج (اليمن، ألمانيا) يوفال عبري (العراق)، أوفيرطوبول (المغرب، الجزائر)، موطي جيجي (المغرب)، شلوميت لير (إيران)، حدفاإيال (إيران)، إيال بين موشيه (اليمن)، شلوميت بين ـ يمين (تركيا،سورياكوبا)،يعيل اسرائيل (ايران،تركيا)، بني نوريئيل (تونس)، أريئيل جليلي(إيران)،نتلي أوحنا عبري (المغرب، بريطانيا)، إيتمار طوبي طهر ـ ليف(مصر،القدس،المغرب)، عوفير نميمي (العراق،المغرب)، أمير بنبجي (سوريا)،نفتالي شيم طوب (كردستان إيران، العراق)، ليئة إيني (تركيا، اليونان)، غادي الغازي(مصر،يوغوسلافيا)، عزرا ناوي (العراق)، يوسي داويد (إيران، تونس)، شلوم زربيب (الجزائر)،يردينه حامو (كردستان العراق)، ابيب درعي (المغرب)، مني اقا (العراق)، توم فوجل (اليمن، بولندا)، عران افراتي (العراق)، دان وكسلير دنيئل (سوري،بولندا، أوكرانيا)،يعيل جينديان (إيران)، اليقيم نيصاني (لبنان، إيران، إيطاليا)، شلي حوريش سيجال (المغرب)، يوني ميزراحي (كردستان)، اوفير ايطاح (المغرب)، بتي بنبينيستي (تركيا)،حين مسجاب (العراق، بولندا)، موشيه بالماس (المغرب)، توم كوهين (العراق، بولندا، بريطانيا)، شيرلي قراواني (اليمن، ليبيا، تونس)، لورينة اطرقصي (العراق، الأرجنتين)،ناويت بارئيلل (ليبيا)

http://www.qadita.net/2011/04/arab-jews

ثورات العالم العربي ولدّت…"اليهود العرب"!

شاهين نصار ، موقع بكرا

تاريخ النشر: 09/05/2011 – ساعة النشر: 21:30

http://bokra.net/Articles/1132363/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A_%D9%88%D9%84%D8%AF%D9%91%D8%AA…%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8!.html

"نحن حفيدات وأحفاد الجاليات اليهودية في العالم العربي والإسلامي، في المشرق والمغرب، وكجيل ثالث من المشارقة في إسرائيل، نتابع بتًأًثرٍ كبير وبشغفٍ شديد الدور المركزي والشجاع الذي تتبوأه نساء ورجال أبناء جيلنا في أرجاء العالم العربي في الثورة والتظاهرات من أجل الحرية والتغيير. كما نشعر بالتضامن والأمل في مستقبل الثورات الناجحة في كلٍّ من مصر وتونس، نشعر بالألم والقلق الشديديْن لفقدان الأرواح الغالية وسفك دماء الشعوب الزكية في كلٍّ من ليبيا والبحرين واليمن وسورية، وغيرهم من شهداء الحرية في أماكن أخرى. إنّ صرخة أبناء جيلنا في وجه الاضطهاد ووجه الأنظمة المستعبدة المستغلة المستبدة، ودعوتها إلى التغيير وللحرية وبناء أنظمة حكمٍ ديمقراطية، تكفل مشاركة المواطنين في الحياة السياسية، وتمثل في نظرنا لحظةً مثيرة وحاسمة في تاريخ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذه المنطقة التي تمزقت منذ أجيال نتيجة التّجاذبات والصّراعات التي جرت بين قوى خارجية وداخلية مختلفة والتي سحقت الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية لغالبية مواطني هذه المنطقة".

شباب ضد الحركة الصهيونية

بهذه الجمل افتتح مجموعة من الشبان والشابات اليهوديات من أبناء وأحفاد الجاليات اليهودية التي قدمت إلى إسرائيل من العالم العربي والإسلامي، والذين قرروا الخروج بصرخة ضد السلطات والحركات الصهيونية الهادفة الى تغييب هويتهم الأصلية كيهود عرب..

قد تكون نجحت السلطات الإسرائيلية وبالأساس الحركة الصهيونية بتغييب العنصر العربي عن هوية اليهود الذين قدموا من دول عربية وإسلامية، كمصر، لبنان، سوريا، العراق، المغرب، تونس، ليبيا، وايران، وما الى ذلك. وفي الوقت الذي بقي فيه قلة قليلة من هؤلاء في بلادهم الأصلية، الا أن الأغلبية الغالبة منهم علت الطائرات وقدمت إلى إسرائيل في الموجة الكبرى من القادمين الجدد من المضارب العربية في سنوات الخمسين والستين من القرن الماضي.

مبادرة تنطلق من رحم ثورة تونس

وقد بادر كل من أورلي نوي، ماطي شموئيلوف، نعما جارشي، يالي هشاش، نفتالي شيم طوف، وألموج بهار، الى الاجتماع واللقاء حول هذا الموضوع، وهو رفع الوعي والافتخار بكونهم عربا من أصله، يتحدثون العربية كلغة أم، رغم أن العربية هي اللغة الأم لأجدادهم وجداتهم ووالديهم ووالداتهم بالأساس، فهم لا يعرفون جميعهم الحديث بالعربية. فبادروا لإطلاق هذه المبادرة تحت عنوان "روح جديدة"..

من جهته يقول ألموج بهار، الذي ينحدر من عائلة عراقية وتركية وألمانية الأصول، في محاولة لتعريفنا على هذه المبادرة الفريدة: "المبادرة الأولية انطلقت لسببين، كنا نجلس أنا وبعض الأصدقاء، واندلعت الثورة التونسية والمصرية، وبدأت المظاهرات والصدامات مع قوات الأمن. شخص اسرائيلي يشاهد ويقرأ ويستمع للإعلام العبري يشعر بتفرقة معينة، فأنت ترى صورًا ومشاهد تثير الانفعال والاحترام، على المستوى الشخصي والمبدئي هذا الأمر يعنيني، وأنا شخصيا كنت قد زرت مصر ولدي أصدقاء عرفت أنهم كانوا في ميدان التحرير. بينما من الجانب الآخر يحاول الإعلام العبري طوال الوقت التخويف والتهويل، وتقوم القنوات الإسرائيلية بالحديث مع محلليهم للشؤون العربية الذين يشرحون للشعب كم هي هذه الأحداث خطيرة لإسرائيل ولثبات المنطقة، وفجأة تراهم جميعا يقفون إلى جانب مبارك والطغاة أجمع".

ويضيف بهار في حديثه عن المشاعر التي خالجته وأترابه من الشرقيين في خضّم الأحداث الآنية التي تدور من حولنا في الدول العربية، ودور الشباب العربي في إحداث التغيير وصناعة الثورات: "من جهة أخرى تشعر بنفسك شعور التضامن مع ما يجري هناك، لهذا السبب، وبسبب عدم وجود أصوات بديلة تحكي بلغة أخرى في الإعلام العبري حول هذه الأوضاع، قرننا أن نتحد في محاولة للتعبير عن شعورنا كأبناء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كأشخاص من عائلات تنحدر من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأن نعبّر عن تضامننا مع النضال… كما أن في القضية عامل الأجيال، وشعرنا بالغيرة من الجيل الشاب الذي نجح في التكتل وأخذ زمام الأمور والمطالبة بالعدل حتى النهاية!! فقرروا عدم ترك ميدان التحرير وعدم الرضوخ لعنف السلطة، وهذا الأمر يشعرنا بالغيرة بسبب الوضع في البلاد. هنا كل مجموعة تهتم بنفسها فقط، حتى داخل الخط الأخضر، ولا تتضامن مع مجموعات أخرى، وبالتالي لا توجد إمكانية لأن يرى الفقراء، والفلسطينيون، والشرقيون، والمتدينون، والأثيوبيون الظلم تجاه الآخرين عدا عن نفسهم هم، وعمليا يجب أن تتوّحد هذه المجموعات، لأنها حينها تشكل الأكثرية، بينما كل واحدة منهم لوحدها هي اقلية. تضامن الجيل الشاب العربي هو أمر مثير للإعجاب، وانتقال الثورة من بلد الى آخر أمر رائع"!

ويحدثنا بهار عن آماله من هذه الرسالة التي أطلقوها: "في رسالتنا كشباب وأيضا كأبناء المنطقة، نحن نعبّر عن تضامننا ونرغب أيضا أن ننضم، بداية في الفكر آملين أن ننضم ايضا في العمل، لبناء شرق أوسط جديد (ليس كما رؤية بوش)، لا تُبنى فيه الدول على ظلم وقمع الشعوب في حين تبقى ثروة الدولة بأيدي قلائل. في إسرائيل الوضع مماثل، كما أنه يجب حل قضايا الاحتلال والعنصرية، والظلم والقمع الثقافي والاقتصادي تجاه مجموعات معيّنة".

ويرى بهار الظلم الذي يعاني منه ايضا اليهود العرب في إسرائيل، مثلهم مثل الفلسطينيين الباقين في وطنهم، قائلا: "حتى نحن نبذتنا اسرائيل، كما الفلسطينيين، الذين تعاملهم بعنصرية ولا تتقبلهم، في حين أيضا العالم العربي نبذهم ويعاملهم كأبناء غير شرعيين مستغربين بقائهم في العالم العربي، وهذا موقع الصراع. في هذه الحالية، موضع العرب اليهود مماثل، فالحركات الوطنية العربية وحتى الأكثر تطرفا منها في العراق ومصر حيث تم طرد اليهود، لم يكونوا مستعدين أن يقبلوا اليهود كجزء من المكان رغم أنهم عاشوا هناك سنين طويلة، وحتى في بعض الدول العربية محوا دورهم على مر التاريخ. في البلاد قاموا بالعكس، طلبوا منهم أن يلغوا عربيّتهم والكفّ عن الحديث بالعربية، وأن يعتبروا العرب واليهود كجهات متناقضة وربما متناحرة، رغم أن التاريخ المشتركة أطول بكثير من التاريخ المتناحر. نأمل أنه عبر الحوار مع الجيل الصاعد العربي والفلسطيني سيكون بإمكاننا إعادة بناء الروابط من جديد".

ويؤكد بهار أن الأجواء في اسرائيل عنصرية جدا، ولذلك تحمل الرسالة جانبين، الأول محاولا إقناع آخرين في إسرائيل بآرائهم حول التضامن مع الفلسطينيين داخل وخارج الخط الأخضر، والآخر هو مطالبة العرب بتذكر اليهود العرب والعلاقة الوثيقة بين الاثنين رغم محاولة نسيانها ومحوها من الذاكرة..

كما يؤكد أنه في أعقاب الرسالة توجه له مجموعة أصدقاء من الخليل وطلبوا منه أن يعثر لهم على يهود من سكان الخليل الأصليين، ليدعونهم للعودة والسكن في الخليل بدلا من المستوطنين!!!

عصابات ثقافة- شيءٌ ما يجري هناك

إعداد ، ترجمة وتقديم أنوار سرحان

http://www.doroob.com/?p=6846

إنهم فتيةٌ آمنوا بالقصيدة فحملوها معهم إلى السّاحات.
مجموعةٌ من الشعراء الشباب يهوداً وفلسطينيين من الداخل (48)، يشاركون في النضالات سياسياً واجتماعيّاً وإنسانياً، فيأتونها رفقة قصائدهم التي أبدعوها لأجلها.. ينشدون أشعارهم أمام بيتٍ عربيّ تهدمه السلطات الإسرائيلية (بذريعة عدم الاعتراف بشرعيته)، أو في حيّ كالشيخ جراح ما زالت دماء قضيته تنزف وسط نيران تلتهم الحقّ والإنسانية، وفي بيت حانون يطلقون صرخاتهم ضدّ الاستيطان وممارساته، وعند الجدار الفاصل يهتفون لهدمه، أو حتى في تظاهرةٍ على عتبة بنك إسرائيل اعتراضاً على تنكيلٍ اقتصاديّ بطبقاتٍ مسحوقة، وأمام مصنعٍ بيع عماله..
سيقول قائلٌ هذا ترويجٌ أو يقول آخر هذا موقف.. وأقول لا هذا ولا ذاك، إنما هي كوةٌ أخرى قد يعنينا أن نطلّ منها إلى من آمنوا بإنسانيّتهم واعتقدوا بالقصيدة والفنّ في تلك البقعة الصاخبة بالقهر، أرض السلام الموعودة للحروب، أرض المحبة الزاخرة بالأوجاع، أرض الله الفائضة منها الزعقات والصرخات..
فيا أيهذا المطلّ ها هنا لا تدخلنّ ، إلا محمّلاً بقلبٍ واسعٍ رحب يسع الأدب والفنّ والإنسان، وبذائقةٍ موضوعيةٍ تقرأ بعيونٍِ واسعةٍ ، ولا تخنق أفق رؤاها.
يطلقون على أنفسهم اسم “عصابات ثقافة” ، يتظهارون للتعبير عن آرائهم السياسية أو الاجتماعيّة شعراً، موسيقى أو فنّاًُ آخر. بعضهم من أصولٍ شرقيةٍ رأى في نفسه حاجةً تلحّ للعودة إلى الجذور والبحث عن اليهوديّ العربي فيه، سواء كان جدّه العراقيّ أو التونسيّ أو غيره، يتشبّث بجذورٍ للغةٍ وثقافةٍ طمسَها وجودُه في بيئة “متشكنزة” (تسوَّد فيها الثقافة الإشكنازية)، وبعضُهم عربيّ فلسطينيّ ذاق العنصرية مذ حمل جواز سفر محتلّه، ففقه مرارة طعمها وحمل وجع قضيّته بكلّ تداعياتها ووعي أنّ من حقّه أو واجبه (سيّان) أن يهدل بأوجاعه بلغة الظالم كي يُسمعه صوته، وبعضهم آمن أن الظلمَ واحدٌ وأنّ غبنَ الحق واحدٌ وأن حبسَ الحرية واحدٌ فحمل تماهيَه مع المرأة المقهورة أو العامل المظلوم في مصنعٍ سرق حقوقَه، أو العائل الفقير الذي قهرته سياساتٌ اقتصادية عفنة، فوزّعه ونشره فإذا هو يتماهى أيضاً مع بدويّ يُهدم بيته في قرى النقب أو فلسطينيّ آخر تسلط المستوطنون على بيته أو غيرهم ما دام القهر قهراً والظلم ظلماً أينما حلّ ووقع.
قد يتساءل أحدنا: وما الذي يحتاجه من سُرق بيته واغتُِصبت أرضه، أو هُدمت خيمته وهُجّر نكبةً بعد أخرى من قصيدة لن تمنحه مأوى بديلاً ولا حلاً؟؟ فيجيب آخر: إنه الشعر يا أخي.. إنها الكلمة، إنه الإنسان.

ألموج بيهار أحد الشعراء الناشطين قال لنا في حوارٍ عن “عصابات ثقافة” :
أعتقد أن عصابات ثقافة ولدت من عمق الإحساس لدى جيلٍ كاملٍ منالشعراء بضرورة الربط بين النشاط الإبداعيّ وبين التعبير عن موقف سياسيّاجتماعيّ، في حالةٍتتزايد فيها في المجتمع الإسرائيليالأصواتُ الساعيةلإسكات كلّ رأيٍ مغاير . مواقف المبدعين ليست متجانسةً تماما ، ولكن أظنّأن معظمنا نرى ضرورة الدمج بين الاضطهاد الداخليّ في دولة إسرائيل ، ضدّالشرقيين، ضدّ العمال ذوي الأجور المنخفضة الذين يسعَون للنضال لنيلحقوقهم، ضدّ البدو في قراهم غير المعترف بها، وبين ما يجريمن وراء جدارالفصل المقام، للفلسطينيين في المناطق المحتلة، ومعظمنا نربط بين نوعين منالقمع والاضطهاد ، اقتصادي ( تحت غطاء الرأسمالية والعولمة) – ثقافيّ ( ضدالثقافة الشرقية والعربية)، وسياسيّ (كما في الحروب الأخيرة في لبنان وقطاعغزة،والعمليات العسكرية ، مثلاً ضد السفينة التركية”.

http://www.sotakhr.com/2006/index.php?id=13398

(أنـا من اليهود) لأمـوج بحر

  دينا سليم

(أنا من اليهود) هوعنوان لعمل قصصي حصل على جائزة "إسرائيلية" ضمن مسابقة القصة القصيرة لسنة 2005، هذه المسابقة أطلقتها صحيفة " هأرتس" ومعناها "البلاد أو الأرض"،وهي صحيفة يومية شاملة ذات آراء معتدلة، والتي تلقى احتراما كبيرا من قبل المثقفين في " إسرائيل " حيث تحتل مكانة مرموقة ومميزة لدى فئة قراء النخبة ونوعيّة الكتّاب الذين يكتبون فيها، ناهيك عن شمولية المواضيع السياسية والثقافية التي تطرح فيها بجرأة فائقة، وقد فاز بها الشاعر والكاتب والناقد " ألموج بحر"، المنحدر من أصول عراقية لعائلة تدعى إستنبولي، فقد ترحل والداه من بغداد أثناء سنوات الهجرة.

استطاع الكاتب (ألموج بحر، أو بهر) أن يستقطب عيون القراء والنقاد في هذا العمل، الذي اعتبره البعض نوعا من التمرد على نمط حياة معاش ومسكوت عنه، تطرق الى موضوعة البحث عن الهوية، أو عن الشرعية الإنسانية لليهود الذين هاجروا من الدول العربية، حيث صنفوا لأول وهلة على أنهم القادمون الجدد من الدرجة الثانية، بعدما احتل الدرجة الأولى اليهود الجدد القادمون من بلاد الغرب.

لقد شكل القادمون الجدد الذين ارتحلوا من العراق، اليمن سوريا، لبنان، إيران، المغرب وتونس وأسبانيا عبئا كبيرا على الدولة اليهودية عند قيامها، فقد اصطدمت بأنواع فئوية متعددة الألوان للقادمين من الدول العربية الذين حملوا معهم ثقافات عربية  مشربة  بالحضارة الإسلامية، فاليهود الذين أتوا من العراق حفظوا القرآن واحتفظوا بثقافتهم العربية عدا عن انحدارهم البابلي العريق، تحدثوا باللغة العربية وتعاملوا مع لغة الأجداد باحترام بالغ ولم يستغنوا عنها، بما أنها اللغة الأم، معتبرين أن اللغة العبرية فرضت عليهم فرضا.

وقد اصطدمت الحكومة المسئؤولة آنذاك بمسألة تعليم الكبار للغة العبرية من فئة الأميّين  الذين لم يحسنوا القراءة والكتابة، مما أدى الى تفاقم مسألة الاندماج السكاني من أجل بناء دولة واحدة تحت جناح قومية واحدة وثقافة واحدة في صبغة غربية علمانية، هذه الفئات تتشكل من عشرات اللغات واللهجات المختلفة، ورغم كل تلك الجهود لتقريب الفجوة بين المواطنين بقي العراقي يتحدث بلكنة عراقية وأصرّ عليها، حيث استطاع أن يستنطق جميع الحروف الحلقية عكس الآخرين.

الكاتب "ألموج بحر" تطرق لموضوعة الحروف الحلقية ( وهي الحروف: الهمزة، الهاء، العين ، الحاء، الخاء، والغين)  الصعبة التي يستطيع أن ينطقها العراقي في قصته هذه، وأتى على ذكر والدته التي فُرض عليها أن تتخلى عن ثقافتها العراقية لكي تلحق بالركب (كما يقال) لكنها دائما كانت تفشل في ذلك، لأنها في البيت تحدثت بلغتها التي ولدت معها، وقد كتب قصته معتمدا على هذا الفشل الذي يعاني منه جميع اليهود العراقيين.

تدور الحكاية حول بطل مهمش، يفقد فجأة لكنته الإسرائيلية ويبدأ التحدث بلكنة عراقية بحتة، حتى بدأ يشبه جده عندما يتحدث، مما أثار من حوله ضجة كبيرة أدت به الى مشكلات صعبة تسببت في  تنقله بين مراكز الشرطة والحكومة وهيئة الإذاعة، مرحلة صعبة عاشها بطل الحكاية الذي أصرّ على البوح بما يجيش في خاطره، ومن خلال النص الساخر أحيانا واللاذع احياناً اخرى أعلمنا أن أصول العراقي مهمشة وذلك منذ وصوله الى (أرض الوطن).

وتستمر الحكاية فتصاب زوجه أيضا بذات العدوى، بما أنها من أصول يمنية وتركية فتتخذ لها لكنة أخرى، يتنكر له جميع اليهود، وكذلك لا يعترف به العرب أيضا، إذ أنهم يعتبرونه مغتصبا للأرض بما أنه يهودي ترك مكانه وأتى لكي يحقق الهدف بإنشاء دولة يهودية على حساب هجرة العرب الفلسطينيين. ويسترسل الكاتب في الأحداث حتى يصل الوضع الى الآخرين، جميعهم يتحدثون بلكناتهم الأصلية وحتى اليهود الذين جاؤوا من الغرب، فتعتبره السلطات محرضا كبيرا فيزج به في السجن، وعندما أصرّ على الصمت كما نصحه جده ، لم يسلم من العقاب ومن رحلة تعقبه اليومية.

(أنا من اليهود) عنوان عربي لقصة يهودية حقيقية، تعمد الكاتب أن يكتب العنوان بأحرف عربية، عنوان مفهوم لقربه من اللغة العبرية ( أني من هيهوديم)، الحكاية أثارت دهشة المتلقي حتى أن مجموعته القصصية هذه، المكونة من أربعين قصة قصيرة ترجمت الى اللغة العربية والإنجليزية أيضا، وطبعت (في دار الهلال) المصرية، وتدرّس هذه الحكاية في إحدى الجامعات العربية، كما أنها تدرّس في المدارس الإسرائيلية في مرحلة التوجيهي، كونها أنموذجا هاما لقصة يومية معاشة وواقع لا ينتهي.

مقطع من قصة (أنا من اليهود):

" شرعوا في تفتيشي ببطء، نبشوا ملابسي، عبروا على صفحة جسدي بكاشف المعادن، جردوني من ثيابي في صمت لا تخدشه كلمات أو إيحاءات. فتشوا أسفل طبقات جلدي عن حقدي الدفين، ركضوا بأقصى سرعة وراء الأحزمة الناسفة، الأحزمة الناسفة التي في قلبي، ويفرحون كلما حيَدوا رغبة مشبوهة بداخلي. اقترب رجال الشرطة مني أزواجا أزواجا، قال أحدهم لزميله بعدما طال وقت التفتيش، انظر أنه مختون، حقا يبدو يهوديا هذا العربي، رد عليه زميله: العرب أيضا يختنون ذكورهم، والأحزمة الناسفة ليست لها علاقة بالختان، ثم يواصلون التفتيش. والحقيقة أنني في تلك اللحظة التي أسلمت لهم فيها جسدي، بدأت تلتف حول قلبي أحزمة ناسفة تورمت وانتفخت ورفضت أن يبطل مفعولهاـ أخذت تزأر وتزأر. لكن لأنها لم تكن مصنوعة من الصلب، أو البارود، أفلحت في التملص من أجهزة كشف المعادن".

حاز الكاتب" ألموج بحر" على عدة جوائز ثقافية، ولد سنة 8791 في مدينة تدعى "نتانيا" تبعد عن مدينة " تل أبيب" 04 كم، حاصل على درجة الماجستير في الفلسفة واللغة العبرية، يدرّس اللغة العبرية لكنه مطلع جدا على الأدب العربي، ومهتم بشكل خاص بما يكتبه الشعراء العراقيون لارتباطه الوثيق بالجذور، فقد استطاع جده أن يغرز في نفسه حب العراق، وعندما توفي الجد الذي عاش صراعا مريرا بين ما ضيعه من هوية وبين ما هو موجود في وطن منحه هوية واسماً جديداً، قرر أن يكتب سلسلة مقالات عن وضع الجالية العراقية التي عاشت وماتت وهي تبحث عن جذورها في بلاد ما بين النهرين، وماتوا حسرة على أيام سعيدة ضاعت منهم. له العديد من المؤلفات القصصية والدواوين الشعرية، حيث يعتبر من الشعراء المهمين لهذا العصر، ويشارك دائما في منتديات وأمسيات مختلطة مع كتاب عرب من الداخل.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=217358

http://www.almasryalyoum.com/node/147960

http://www.almasryalyoum.com/node/139785

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=214414

http://arabjews.wordpress.com/2011/04/17/%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%AD-%D8%B1%D9%88%D8%AD%D9%8C-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-2011/

http://bokra.net/Articles/1132363/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A_%D9%88%D9%84%D8%AF%D9%91%D8%AA…%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8!.html

http://bokra.net/Articles/1132216/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%84:_%D9%82%D9%88%D9%89_%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%B3%D8%A7%D8%B1_%D8%AA%D8%B9%D9%82%D8%AF_%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1%D8%A7_%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%87%D8%B6%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%84_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%86%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9.html

http://www.qadita.net/2011/04/arab-jews/

http://www.arabs48.com/?mod=articles&ID=80581

http://www.daralhayat.com/portalarticlendah/255509

http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=11827&article=617516&state=true

http://arabjews.files.wordpress.com/2011/04/p5-19-04-20111.pdf

http://www.al-ahaly.com/index.php?option=com_content&view=article&id=5466:2011-04-19-23-42-37&catid=43:2010-02-27-09-37-38&Itemid=675

http://www.sotakhr.com/2006/index.php?id=13398

http://www.arabs48.com/?mod=articles&ID=83570

תגובה אחת על العربية

  1. פינגבאק: صوت من الجيل الثالث ليهود العراق / سعد سلوم | אלמוג בהר

כתיבת תגובה

הזינו את פרטיכם בטופס, או לחצו על אחד מהאייקונים כדי להשתמש בחשבון קיים:

הלוגו של WordPress.com

אתה מגיב באמצעות חשבון WordPress.com שלך. לצאת מהמערכת / לשנות )

תמונת Twitter

אתה מגיב באמצעות חשבון Twitter שלך. לצאת מהמערכת / לשנות )

תמונת Facebook

אתה מגיב באמצעות חשבון Facebook שלך. לצאת מהמערכת / לשנות )

תמונת גוגל פלוס

אתה מגיב באמצעות חשבון Google+ שלך. לצאת מהמערכת / לשנות )

מתחבר ל-%s